يوكابد أم موسى عليه السلام.. من نسل خليل الله وهذه صلة قرابتها بالنبي يوسف

خالد أبو سيف الإثنين، 20 يناير 2020 06:00 م
أم موسى عليه السلام
نفذت أم نبي الله موسى ما أمرها به الوعي فرد الله إليها وليدها


وردت قصة أم نبي الله موسى وهارون عليهما السلام، في عدة سور بالقرآن الكريم الذي حكى لنا كيف كانت حالة الخوف والقلق التي اعترتها عندما اقترب موعد ولادتها للنبي موسى، حيث كانت تخشى أن يقتله فرعون وجنوده كما كانوا يفعلون مع أبناء بني إسرائيل الذكور في هذه الفترة، وكيف أوحى الله إليها بما عليها أن تفعل حتى ينجو وليدها من هذا المصير.


 وقد كانت أم نبي الله موسى امرأة مؤمنة وصاحبة نفس زكية، وقلب نقي، وكانت على دين آبائها يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، وقد تهيأت لحمل وولادة نبي من أنبياء الله الصالحين، وكانت مثلاً صادقاً لكل امرأة تريد أن تستلهم رشدها من ربها عز وجل، وتتلقى منه الأوامر والنواهي بالقبول والطاعة، وتتسلح بالثقة بفضله وحسن التوكل عليه، وتتوقع منه جل شأنه الرحمة في كل وقت.


وتُعرف أم سيدنا موسى عليه السلام باسم «يوكابد»، وتنسب إلى لاوي بن نبي الله يعقوب عليه السلام، وبالتالي فإن نبي الله يوسف عليه السلام هو عمها، أما زوجها فهو عمران بن فاهت، وينتسب هو الآخر إلى لاوي بن يعقوب عليه السلام، وكان عمران من العاملين في قصر فرعون.
رؤيا فرعون
وقيل: إن فرعون رأى في منامه أن نارًا أقبلت من بيت المقدس، فأحرقت دور مصر، وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فجمع الكهنة والسحرة، وسألهم عن تفسير هذه الرؤية، فقالوا له: هذا غلام من بني إسرائيل يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، وزوال ملكك على يديه، ولذلك أمر بقتل الغلمان، وترك النساء، وقد قال الله تعالى: وَنُرِيدُ إذا أراد الله لا بدّ أن يحدث ما أراد الله، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً[القصص: 4]، أي: في الدين، ونجعلهم أصحاب علو وشأن، وتمكين في الأرض، وقدرة تامة،وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[القصص: 5]، أي يرثون ملك فرعون،وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [القصص: 6]، نجعلهم أصحاب قوة وسلطة، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ[القصص: 6]، أي سنجعل الضعيف قويًا، والمقهور قاهرًا، والذليل عزيزًا، هذا كله فعلاً جرى لبني إسرائيل كما قال تعالى:وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا [الأعراف: 137]، وأخرج الله فرعون ومن معه  مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ  [الشعراء:57-59].


وحذر فرعون كل الحذر من أن يأتي إلى الدنيا الغلام الذي سبنزع منه ملكه، قتل أطفال، عمل جرائم احتياطات هائلة، حتى أنه أرسل رجالاً وقوابل (جمع قابلة)، النساء الخبيرات في الولادة وأوضاع الحمل عند النساء- يطوفون على نساء بني إسرائيل، ويدورون على الحبالى، ويسجلون وقت وضع كل واحدة، القابلة ترى هذه الحامل وتسألها وتعرف من هيأتها كم شهرًا مولودها الذي في بطنها، فتسجل وقت ولادته؛ ليأتوا إليه ويأخذوا الولد ويذبحوه، على موعد الولادة، فتصوروا نفسية ومشاعر الأم الحامل التي يأتيها هؤلاء المجرمون يسجلوا موعد الولادة ليأخذوا الولد ويذبحوه، فأي نفسية تعيش؟ وأي وضع تكون فيه وهي تعرف أن هذا الذي ينمو في بطنها ويتغذى عليها آخرته وعاقبته أنه سيؤخذ ويذبح؟ فلا تلد امرأة ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته.

استمرار قتل الغلمان بعد موسى

كما قال ابن كثير رحمه الله وقال: "وعند أهل الكتاب إنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم، أو قاتلوهم"، قال ابن كثير: "هذا فيه نظر بل هو باطل، وإنما وقع هذا بعد بعثة موسى، فجعل يقتل الولدان".

إذًا قضية قتل الولدان لم تكن فقط قبل ولادة موسى، بل كانت حتى بعد بعثة موسى، وبعد أن صار نبيًا، وبعد أن أرسله الله إلى فرعون، والدليل على أن فرعون استمر يذبح أولاد بني إسرائيل حتى بعد أن بعث الله موسى إليه،  فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ [غافر: 25].


ولذلك قال بنو إسرائيل لموسى: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [الأعراف: 129]، يعني: نحن أحوالنا ما تغيرت يا موسى، بعثتك فما أنقذتنا من محنتنا، هؤلاء أصحاب العجلة منهم، يريدون النتيجة بسرعة، قالوا: لا فائدة يا موسى، قال:  عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ  [الأعراف: 129]، اصبروا انتظروا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 129.


التدبير الإلهي
عندما ولدت «يوكابد» موسى عليه السلام، وأبصرته طفلاً ذكراً اضطرب قلبها، لأنها كانت تعلم أن فرعون قد أمر بقتل كل مولود في بني إسرائيل، لأن الكاهن أخبره أن مُلك فرعون سيذهب على يد مولود في بني إسرائيل، وخافت «يوكابد» على ابنها الوليد، وخشيت أن يعلم جنود فرعون وعيونه بمولد ابنها فيأخذوه منها، ويقتلوه كما فعلوا مع كثير من الأطفال، واحتارت في أمرها، ماذا تفعل لتنقذ وليدها من الهلاك المحقق؟.

وهنا كانت المنة الإلهية، حيث ألهمها الله تعالى أن تهيىء للوليد الصغير صندوقاً، وأن تضعه فيه، ثم تلقي به في النيل، وترسل على الشاطئ أخته لتعقب أثره، وظلت أخت موسى تتعقب أثر أخيها، حتى رأت امرأة فرعون، وهي تأمر خدمها أن يأتوا بالصندوق العائم في النيل، وعندما عرفت أن طفلاً فيه، طلبت رؤيته فأحبته، ثم طلبت من زوجها فرعون أن يتبنيا الطفل ليكون ابناً لهما.
رضاعة وكفالة وعودة
بينما كانت «يوكابد» في قلق شديد على مصير ابنها، وكانت في انتظار ابنتها لتخبرها ماذا حدث للطفل، وعادت أخت موسى إلى أمها لتخبرها بما حدث، فازداد قلق الأم على وليدها الذي وقع في أيدي آل فرعون، وحاولت زوجة فرعون أن تجعل المراضع يرضعن الطفل، ولكنه عافى المراضع، وعندئذ انبرى «هامان»، وأشار على أخت موسى، قائلاً: إن هذه الفتاة تعرفه، فخذوها حتى نعرف منها شيئاً، وقالت الفتاة: إنما أردت أن أكون للملك من الناصحين، وإني أعرف مرضعة تستطيع أن ترضع الطفل، فأمرها فرعون أن تأتي بها.

وذهبت الفتاة إلى أمها وأخبرتها بما حدث، فأسرعت «يوكابد» إلى فرعون، وأخذت طفلها لترضعه، فالتقم ثديها من دون المرضعات، فدهش فرعون، وسألها: من أنت؟.. فقالت: إنني امرأة طيبة الريح وطيبة اللبن لا أوتي بصبي إلا قبلني.

وعندئذ طلب منها فرعون أن تتكفل بالطفل، وأعطاها رزقاً على ذلك، فرجعت بوليدها إلى بيتها، والسعادة تغمر جوانب قلبها، فقد كافأها الله تعالى على إيمانها وصبرها بإعادة وليدها إليها، وأتمت «يوكابد» رضاع ابنها موسى، ثم أرسلته إلى القصر الفرعوني.

وعاشت أم موسى ما شاء الله لها أن تعيش، وابنها يعيش بالقرب منها في قصر فرعون، وكانت تراه بين الحين والآخر، وتفرح به كلما درج في مراحل النمو من الطفولة إلى الفتوة والشباب، فاكتمال الرشد والتأهيل لما هو قادم من اختبارات متعددة في قصر فرعون وفي غيره، حتى نزل عليه الوحي وكلمه الله عز وجل في الوادي المقدس.

اظهار أخبار متعلقة


الأحداث في سورة القصص
وقد وردت أحداث قصة أم موسى في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ومنها سورة القصص حيث يقول الله عز وجل: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُم مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَم وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنا رَادوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين * فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِن فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين * وَقَالَتِ امْرَأَة فِرْعَوْنَ قُرة عَيْنٍ لي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُم مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن ربَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون * وَحَرمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمهِ كَيْ تَقَر عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللهِ حَق وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون)، وكذلك ورد ذكر أم موسى في سورة طه .

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة


اضافة تعليق