أخطر المظاهر الاجتماعية.. الاجتهاد في أذى الناس بالواسطة والمحسوبية

أنس محمد الأربعاء، 15 يناير 2020 11:48 ص
أخطر مظاهر الحقد المجتمعي.. الاجتهاد في أذى الناس بالواسطة والمحسوبية


من الظواهر المؤسفة لجوء الكثير من الناس في وقتنا الحاضر إلى المسارعة بالأذى والاستنصار بالأخرين من أصحاب السلطة والمحسوبية، في مواجهة الخلاف الذي ربما يحتدم بينه وبين جاره أو صديقه أو أي إنسان في الشارع لأي سبب من الأسباب.

ويعد ذلك خلافًا للهدي القرآني: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ويقول أيضا في سورة فصلت " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)".

من مظاهر الاستقواء بالأذى

فأصبح من المعتاد أن تندلع المشاجرات ما بين الناس في الشارع، لأي سبب من الأسباب التافهة

فأصبح من المعتاد أن تندلع المشاجرات ما بين الناس في الشارع، لأي سبب من الأسباب التافهة
، مثل الخلاف على "ركن السيارة"، أو اصطدام سيارة بأخرى صدام بسيط، أو الخلاف على حقوق الجيرة، بأن يخر كل طرف من سيارته مستعرضًا القوة والبأس، وملوحًا باللجوء إلى استخدام أقصى العقوبة بالاعتماد على أحد أقاربه الذي يتبارى بهم أمام المارة في الطريق من خلال منصبه في أحد الأجهزة الأمنية.

وربما تفاجأ وأنت في بيتك بأفراد من الشرطة تطرق الباب عليك ليلا لاستدعائك بالمثول أمام جهات التحقيق في قسم الشرطة، لمجرد الخلاف مع أحد جيرانك الذي سارع باللجوء إلى عمل المحاضر الكيدية، أو الاتصال بأحد أقاربه من علياء القوم "الواصلين" لتأديبك بعد أن "نسيت نفسك وأصلك"، ووقفت تجادل أمام جارك، لمجرد أن تشاجر ابنك مع ابنه، بدلاً من أن يعفو كل منهما عن الآخر، وينصح ابنه بأن ابن جاره أخوه، وأن يلعبا بدلاً من الشجار.

ويدلل الكاتب الصحفي أنور الهواري على انتشار هذه الظاهرة خلال تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" قائلاً: "خرجنا من الجامع علي صوت خناقة بين شابين راكبين سيارتين أفخم من بعض ، واحد بيقول للتاني: أصلك متعرفش أنا ابن مين يا أبو ( ش خ ة ) ، فرد عليه التاني : أنت اللي متعرفش أنا ابن مين يا أبو ( ش خ ة ) ، بصيت علي طوابير السيارات لقيت مراهقين وأطفال في الطفولة المتأخرة كتير رايحين الجامع وراجعين منه بسيارات فخيمة جداً .

وتابع الهواري قائلا: "[بدون تعليق ، علماً أن خطبة الجمعة كانت عن التسامح ، وكان الخطيب في قمة التوفيق والسداد].

ويقول "ابن خلدون" في مقدمته الشهيرة "العرب لا يتغلبون إلا على البسائط ولا ينتصرون إلا على الضعفاء وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر".

الاستنصار بالقوي على الضعيف يجلب الشر للمجتمعات

يتنبأ ابن خلدون بخراب بلاد العرب، وذلك بسبب اعتماد القوة وليس القانون في أسلوب الحياة
يتنبأ ابن خلدون بخراب بلاد العرب، وذلك بسبب اعتماد القوة وليس القانون في أسلوب الحياة
، فيسهل عليهم الاعتداء على الضعيف وسرعان ما يستسلمون للقوي.

لذلك ومما يستدعي الأسف والحزن على أحوالنا، فإن الدول العربية هي الأكثر فسادا في العالم، وذلك لأن القوي يأكل حق الضعيف، نظرا لتحصنه بحماية أحد رجالات الدولة، حيث إن القاعدة غير المعلنة التي يعمل العرب وفق أسسها هي الاستقواء على الضعفاء في شتى المجالات.

وهناك مظاهر أخرى للاستقواء على الضعيف داخل الأسرة، إذ أن النساء والأطفال غالبًا ما تهضم حقوقهم، ولا يوجد قانون صلب يمنع التعسف ضدهم، فالمجتمع ذكوري ويكرس سلطة الذكر بصرف النظر عن المصلحة العامة للمجتمع التي تقتضي وجود أفراد أقوياء في ظل قانون قوي. وهذا يعني تربية شخصيات مهزوزة وتتعود على قبول الظلم كأمر عادي.

إذ أن الطفل نشأ وهو يرى خنوع أمه وأخواته وتعود على ذلك، وحين يخرج إلى المجتمع، يرى الظلم ويتقبله لأنه تربى عليه. ونظرًا لأنه مجتمع ذكوري، ترهق المرأة نفسها بالإنجاب لكي تنجب ولدا، تستمد منه قوتها ومكانتها، وتخضع للزوج خضوعًا كاملاً كي لا يطلقها، حتى وإن كان شبه آدمي.

وانتشرت عقلية الاستقواء على الضعيف والخضوع للقوي وسيطرتها على التفكير وهي الاحتماء بالعشيرة، فهناك عشائر تفتخر بقوتها ومكانتها والآخرون يعترفون بقوتها والخضوع لها.

فهناك نوع من البشر يعيشون على إيذاء الآخرين، ويحملون أكثر الأمراض الاخلاقية شيوعا، وهي الحقد والحسد وتدبير المكائد والدسائس التي حذر منها الاسلام ووضع لها روشتة لمواجهتها ومواجهة غيرها من السلوكيات المنافية لتعاليم الإسلام.

إن داء الحسد هو من أقدم الادواء القلبية واشدها فتكا بالدين والدنيا، وعلى الرغم من أنه منتشر في الخليقة منذ القدم إلا انه في زماننا هذا فاعل في الناس فعلا غير مسبوق، وذلك لشدة تحكم الماديات في قلوب عامة الناس وضعف الوازع الديني والاخلاقي في نفوسهم، ولخطورة هذا الداء الفتاك وشناعة اثره على الافراد والمجتمع، فقد حذر منه الشرع اشد التحذير، ورتب عليه أسوأ العقوبات وأغلظها.

 فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يشبه الحسد وفعله في الحسنات بفعل النار في الحطب، وهو تشبيه تمثيلي بليغ يقضي بأن الحسد نفسه مثل النار في شدتها وحدتها وحرارتها، وبأن أكله لحسنات الحاسد هو مثل أكل النار للحطب في سرعته وانتشاره.

وعلى الرغم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الواقع يكشف عن استشرائه وانتشار تعاطيه على نطاقات واسعة بين مختلف فئات المجتمع واعراقه واجناسه، ونتج عن ذلك انتشار الأمراض النفسية والشيطانية الغامضة والمحيرة لذوي الاحلام والألباب.

اضافة تعليق