خلق الستر في الإسلام.. تتضاعف الجرائم عندما يغيب عن المجتمع

خالد أبو سيف الأحد، 12 يناير 2020 08:20 م
الستر
الستر صفة ربانية وخلق عظيم من أخلاق الأنبياء

انتشرت في الآونة الأخيرة حوادث غريبة عن المجتمع المصري، فهذا قفز من طابق مرتفع خوفاً من الفضيحة، وذلك قتل ابنته حتى لا تفضح فعلته الدنيئة، وهذا قتل أخيه خوفاً من أن يقول لأمه وأبيه أنه شاهده في وضع مخل، وكل هذه الجرائم والحوادث ما كانت لتقع لو تخلق أفراد المجتمع بخلق الستر على العاصي ومنحه الفرصة لكي يتوب ويرجع إلى الله ويستقيم ويسترد رشده.


- فما هو خلق الستر؟
- وهل هو صفة من صفات الله عز وجل؟
- وكيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في خلق الستر؟
- وماذا عن حال الأنبياء في خلق الستر؟


إن الستر اصطلاحاً هو التغطية، ومنه قوله تعالى: حجابًا مستورًا) يعنى حجابًا على حجاب، فالأول مستور بالثاني، ومعنى الستر شرعًا الترك للقبائح، وستر العيوب والفضائح، فمن هذا المنطلق سنتطرق في هذه الخطبة عن الواجب على العبد تجاه نفسه وتجاه الخلق من الستر.

 

إن المسلم في الحياة معرّض للخطأ والزلل، فلو فُضح في كل خطيئة لاستمرأ الخطأ وزاد فجوره، وقل حياؤه، ولهذا كان من ستر الله للعبد أنه إذا فعل المعصية واسترجع، تاب الله عليه وستره في الدنيا، وذكّره بها يوم القيامة ثم يعفو عنه.

وإن ستر المسلم لغيره إذا أذنب، علامة على محبته له؛ حيث ستر عيبه وأرد منه التوبة، وأعرض عن فضيحته، وعلى العكس فمن فضح أخاه المسلم دلّ على كرهه له وإرادة السوء به، والتشهير به، ومن ثَم انتشرت البغضاء بين الناس.


لا تفضح غيرك ولا نفسك


يقول الشيخ خالد الشيخ: إن الساتر لعيب غيره يحس بالسعادة والطمأنينة؛ لأنه فعل خيرًا، وستر مسلمًا، ويتذوّق طعم الإيمان عندما يستشعر الحديث الصحيح وهو ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة.

بل إن الساتر لعيب غيره يكتم سوءًا أن ينتشر، وفي انتشاره إعانة على فشو المنكر وتقوية لقلوب أهل المعاصي، وتقوية للشيطان على العاصي، وفيه دخول الفاضح لغيره في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
وعلى المسلم أن يستر نفسه، فإذا وقع في ذنب وستره الله أن لا يفضح نفسه، فيهتك ستر الله عليه، بل عليه أن يتوب ويتم ستر الله عليه، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه». ‌ولما قالت امرأة لعائشة يا أم المؤمنين: إن كريا أخذ بساقي، وأنا محرمة. قالت: "حجري حجري". وأعرضت عنها بوجهها، وقالت: بكفها. وقالت: "يا نساء المؤمنين، إذا أذنبت إحداكن ذنبًا، فلا تخبرن به الناس، ولتستغفر الله، ولتتب إليه، فإن العباد يعيرون ولا يغيرون، والله عز وجل يغيّر ولا يعيّر".


يقإن الساتر لعيبه قد استحى من الله ومن الخلق، ولهذا هو حسن الظن بربه يرجو المغفرة، وأما الذي يهتك ستر الله له فهو غير مراقب لله، ولم يستحِ من أحد، فهو بعيد عن التوبة، وعن المغفرة.


إن الواجب على المسلم أن يحزن عندما يرى أخاه قد وقع في معصية، وأن يسعى في ستره ونصحه، ودُعي عثمان إلى قوم على ريبة، فانطلق ليأخذهم فتفرقوا فلم يدركهم فأعتق رقبة شكرًا لله تعالى أن لا يكون جرى على يديه خزي مسلم.
صفة ربانية
يروى أنه في عهد سيدنا موسى عليه السلام جف المطر وطلب منه قومه أن يدعو ربه بالغيث وينزل عليهم المطر فصعد سيدنا موسى الجبل ودعا ربه بأن ينزل عليهم المطر فقال له ربه عز وجل.


يا موسى كيف انزل المطر و بينكم عاص فرجع موسى إلى قومه وبلغهم بأن بينهم عاص ولم ينزل الله المطر إلا إذا خرج فلم يخرج احد ثم انزل الله المطر فصعد موسى الجبل وقال لربه يا رب جمعت القوم و أبلغتهم بأن بيننا عاص فليخرج ولم يخرج احد وقد أنزلت المطر يا رب فقال سبحانه و تعالى يا موسى أنى أنزلت المطر بعد ما تاب العاصي توبة نصوحة فقال موسى لربه من هو يا رب حتى نعرفه قال الله عز و جل لموسى يا موسى سترته وهو عاص فكيف لا أستره وقد تاب وعاد إلى.


لهذا فإن الستر صفة عظيمة ربانية اتصف الله عز وجل بها، وحثّ الخلق عليها، فبها تشرق شمس المعروف، وعن طريق هذا الخلق تفتح أبواب التوبة امام العاصين، ويسود الإخاء، وينتشر حسن الظن بالآخرين،


 إن الله جل في علاه له الصفات العليا، التي لا يتطرق إليها النقص بحالٍ من الأحوال، ومن تلك الصفات الستر، فهو ستير يحب الستر، تعالى وتقدس.
 اهتمام علماء الإسلام
وقد اهتم علماء الإسلام بهذا الباب المهم من أبواب الأدب, فقد بوب البخاري رحمه الله في كتاب الأدب من صحيحه ( باب ستر المؤمن على نفسه ) ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك ، وبوب أيضاً في كتابه الأدب المفرد ( باب من ستر مسلماً ) وبوب الإمام النووي رحمه الله في كتابه شرح صحيح مسلم : ( باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه ) ثم ساق الأحاديث ، وبوب ابن ماجة في سننه في كتاب الحدود ( باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات ) , أما الفقهاء وأصحاب السلوك فقد بوب البغوي رحمه الله ) باب النهي عن تتبع عورات المسلمين ، وباب الستر ) , وفصل في ذلك ابن مفلح الحنبلي في كتابه الآداب الشرعية . وكذلك المفسرون عنو بهذا الموضوع عند ذكر الآيات الدالة كابن كثير في تفسيره، بحسب قول د. بدر عبد الحميد هميسة.

 

هدي النبي والصحابة في الستر
.ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا جاءه من يقرّ على نفسه بذنب، أعرض عنه حتى يكرر السؤال، ثم يلقنه الحجة في رفع الحد عنه، فقال: لمن جاءه وهو يقر على نفسه بالزنا: «لعلّك قبّلت، لعلك غمزت»، ويقول لمن شهد على نفسه بالسرقة: «لا إخالك سارقًا» ونحوها؛ علّه أن يذهب فيتوب ويستر على نفسه، فيتوب الله عليه.


قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه: "لو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله".


وروى وكيع في الزهد (3/774) عن أبي الشعثاء قال: كان شرحبيل بن السمط على جيش، فقال: "إنكم نزلتم أرضًا فيها نساء وشراب، فمن أصاب منكم حدًّا فليأتنا حتى نطهّره"، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب له: "لا أم لك تأمر قومًا ستر الله عليهم أن يهتكوا ستر الله عليهم".


ولهذا من وقع في ذنب، واعترف على نفسه عند الحاكم ليطهره، فله الرجوع قبل إقامة الحد عليه، ولو هرب أثناء إقامة الحد فلا يتبّع كما حصل في قصة ماعز الأسلمي رضي الله عنه، كما أخرج أبو داود في سننه من حديث نعيم بن هذال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بلغه أن ماعزًا هرب منهم، وهم يرجمونه من شدة الرمي، فلحقوه حتى قتلوه، قال: «هلا تركتموه؛ لعله أن يتوب فيتوب الله عليه.


الستر خلق الأنبياء
والستر صفة وخلق من الأخلاق العظيمة للأنبياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن موسى كان حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياءا منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب جلده فبرأه الله» (البخاري).


قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69].
وقال تعالى: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه} [لقمان: 20].
قال الضحاك: النعم الظاهرة هي الإسلام والقرآن.
أما الباطنة، فهي ما يستر من العيوب.
وقلنا: إن من أسمائه سبحانه الستير والغفور، والغفار والعفو، ولا تقل يارب يا ساتر، فالله عز وجل ليس ساترا، أي حاجزا.
ولكن قل: يارب يا ستار، أو يا ستير.
فالله غافر وغفور يستر.

اظهار أخبار متعلقة



أما اسم العفو فهو أعلى من الغفور والستير؛ لأن العفو معناه محو الذنب فلا تجد ذنوبك قد محيت بأمر الله لهذا، نسأل الله العفو في كل وقت، ويزداد طلب العفو في العشر الأواخر من رمضان حيث يكون الإنسان في قمة العبودية صيام نهار، وقيام ليل، وتهجد واعتكاف.


يقول ابن بطال المالكي: من أسماء الله ما يجب عليك أن تمرن نفسك على أن تتصف بها "رحيم - ستير– كريم".
ومنها: ما كان فيه معنى الوعيد، فيقف منه عند الخشية والرهبة.
ومنها: ما كان فيه معنى الوعد، فيقف فيه عند الطمع والرغبة.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



اضافة تعليق