كيف ينظر المؤمن والفاجر إلى معصيته؟

أنس محمد الجمعة، 10 يناير 2020 03:00 م
كيف ينظر كل من المؤمن والفاجر إلى معصيته


يستصغر بعض الناس معصيتهم، ظنا منهم أن هذه المعصية من اللمم التي يعفو عنها الله سبحانه وتعالى بمجرد الاستغفار منها، فيأخذ صاحب هذه المعصية العزة بالإثم ويجدد معصيته حتى تصبح روتينًا يوميًا، ويتوه معها الاستغفار، فلا عفوًا ربح ولا استغفارًا أبقى .إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ»

إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ»


وقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة هذا العمل، في حديث الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ في التفريق بين نظرة المؤمن لمعصيته ومقارنتها بنظرة الفاجر، فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ» فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، قَالَ أَبُو شِهَابٍ رضي الله عنه: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ.

وفي الحديث الشريف يبين النبي صلى الله عليه وسلم وَقْع المعصية على كلٍّ من المؤمن والفاجر؛ فهي ثقيلةٌ على المؤمن ثقل الجبل الذي يخشى من ثقله إذا وقع، وهي خفيفة على الفاجر خفَّة ذبابٍ يقع على الأنف وسرعان ما يغادرها.

لماذا تثقل المعصية على المؤمن وتخف على الفاجر؟

المؤمن يغلب عليه الخوف لقوَّةِ ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائمُ الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصَّالح ويخشى من صغير عمله السَّيِّءِ.

أما بالنسبة للفاجر فـالسبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلمٌ فوقوع الذنب خفيفٌ عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وُعظ يقول هذا سهلٌ.

يقول الإمام ابن أبي جمرةَ -شارح صحيح البخاري إن السبب في ذلك أن قلب المؤمن منوَّرٌ فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما يُنوِّرُ به قلبَه عظُم الأمر عليه.

والحكمة في التَّمثيل بالجبل أنَّ غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النَّجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادةً.

ويقول الطَّبَريُّ "إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدَّةِ خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقينٍ من الذَّنب، وليس على يقينٍ من المغفرة، والفاجرُ قليلُ المعرفة بالله؛ فلذلك قلَّ خَوفه، واستهان بالمعصية".

وفي المقابل فإنَّ من مقتضيات تلك الصفات عند المؤمن والفاجر أن قلَّة خوفِ المؤمن ذنوبه وخفته عليه يدل على فجوره.

كيف يتصرف المؤمن؟يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنبٍ صغيرًا كان أو كبيرًا
يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنبٍ صغيرًا كان أو كبيرًا


يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنبٍ صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن الله تعالى قد يعذب على القليل؛ فإنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى] اهـ.

وقد جاءت روايات تحذِّر من الاستهتار بالمعصية؛ حتى ولو كانت صغيرة؛ فقد روى أحمد وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَـهَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طَالِبًا» وعن ابن مسعود مرفوعًا: «إياكم ومُحَقَّراتَ الذنوب، فإنهن يجتَمعْن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه» رواه أحمد.

وقال أنسٌ رضي الله عنه: "وَاللهِ، إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ" رواه البخاري وأحمد.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يمشي في الوَحلِ ويتوقَّى، فغاصَت رجله فخاض، وقال لأصحابه: "هكذا العبدُ لا يزال يتوقَّى الذُّنوبَ فإذا واقعها خاضها". ذكره ابن عقيل وغيره.

اضافة تعليق