حكم التحرش الجنسي.. وعقوبة المتحرش في الإسلام

أنس محمد الثلاثاء، 07 يناير 2020 12:08 م
620181421613168894044





التحرش الجنسي من الأشياء التي ذمها الإسلام وعدها من أخلاق المنافقين، لما فيه من فساد وامتهان كرامة وشرف المرأة، والضرب بالقيم والاخلاق والعادات والشرف عرض الحائط.

والمتحرش فوق ما يرتكبه من ذنب، فإنه من المجاهرين بالمعصية، والخائنين لكافة الشرائع السماوية، وقد حرص الإسلام كل الحرص على المحافظة على كرامة الإنسان وعرضه، وحفظ النفس والعرض والعقل والمال والدين.

ما هو التحرش الجنسي؟

يُطلَق "التحرشُ" عرفًا على الأفعال والأقوال ذات الطابع الجنسي التي يُتَعرَّض بها للغير.

يُطلَق "التحرشُ" عرفًا على الأفعال والأقوال ذات الطابع الجنسي التي يُتَعرَّض بها للغير.

عقوبة التحرش الجنسي في القانون

نص قانون العقوبات المصري على توصيف التحرش في المادة (306 مكرر "أ") التي تقول: [يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلُّ مَن تعرَّض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق، بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل، بأية وسيلة؛ بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية، وتكون العقوبة: الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيهًا، وبإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجنيِّ عليه، وفي حالة العودة تُضاعَفُ عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى] اهـ.

وفي المادة (306 مكرر "ب") التي تقول: [يُعَدُّ تحرشًا جنسيًّا إذا ارتكبت الجريمة المنصوص عليها في المادة (306 مكرر "أ") من هذا القانون بقصد حصول الجاني من المجني عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. فإذا كان الجاني ممن نص عليهم في الفقرة الثانية من المادة (267) من هذا القانون أو كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتُكِبَت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا تكون العقوبة الحبس مدةً لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين والغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه] اهـ.

حكم التحرش الجنسي في الشرع الإسلامي

يؤكد الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، أن التحرش الجنسي مِن المحرمات شرعًا؛ فقد عظَّم الشرع الشريف من انتهاك الحرمات والأعراض وقبَّح ذلك ونفَّر منه، وشدَّد الوطأة والعذاب على مرتكبيه، ونوَّه إلى عظم شأن الحرمات وكبير وزنها عند الله تعالى من أجل تعلقها بحقوق العباد؛ فأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قالوا: يوم حرام، قال: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قالوا: بلد حرام، قال: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قالوا: شهر حرام، قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته: «فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض».

والمرأة هي أنْفَس الأعراض؛ حيث بوَّأها الشرع مكانةً عالية، وتوَّجها في المجتمع بما لها عليه من حقوق وبما تؤديه من واجبات
والمرأة هي أنْفَس الأعراض؛ حيث بوَّأها الشرع مكانةً عالية، وتوَّجها في المجتمع بما لها عليه من حقوق وبما تؤديه من واجبات
، وجعلها صنوًا للرجل في إنسانيتها ودورها الذي لا يقل أهميَّةً عن دور الرجل؛ حيث إنها نصف المجتمع وتلد النصف الآخر، وراعى ضعفها الجسديّ، فأمر بالاعتناء بها وتقديم احتياجاتها على غيرها، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معيار خيرية الرجال مبنيًّا على حسن معاملة المرأة؛ فيقول: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» رواه الترمذي في "الجامع"، وابن حبان في "الصحيح"، وفي رواية الحاكم في "المستدرك": «خَيرُكُم خَيرُكُم للنِّسَاءِ».

وأخرج النسائي في "السنن الكبرى"، وابن ماجه في "سننه"، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ».

ومن أجل ذلك ونشرًا للطهارة والعفة في المجتمع حرَّم الإسلام مجرد النظر بشهوةٍ إلى المرأة، وكذلك حرَّم مسَّها بشهوة؛ فأخرج الروياني في "مسنده"، والطبراني في "المعجم الكبير"، عن معقل بن يسار رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ».

وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَيَزْحَمُ رَجُلٌ خِنْزِيرًا مُتَلَطِّخًا بِطِينٍ أَوْ حَمْأَةٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَزْحَمَ مَنْكِبُهِ مَنْكِبَ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ».

وأخرج الإمام أحمد في "المسند" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَاللِّسَانُ يَزْنِي، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ، وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ».

وبناءً على ذلك: فالتحرُّش الجنسي بالمرأة من الكبائر، ومن أشنع الأفعال وأقبحها في نظر الشرع الشريف، ولا يصدر هذا الفعل إلا عن ذوي النفوس المريضة والأهواء الدنيئة التي تَتَوجَّه همَّتها إلى التلطُّخ والتدنُّس بأوحال الشهوات بطريقةٍ بهيميةٍ وبلا ضابط عقليٍّ أو إنسانيّ.

الدليل على حرمة التحرش الجنسي

وقد جاء الشرع بتحريم جريمة الزنا، وأنها من الكبائر، وهذا صادق على ما كان بالتراضي، غير أنه إذا كان من غير رضًا فإنه أشد جرمًا وأعظم إثمًا وبغيًا؛ حتى جعلت الشريعة هذا الفعل الدنيء أشد من الزنا الذي يمارسه الطرفان برضاهما؛ فوصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث النبوية الشريفة بأنه "أربى الربا"، ومن المقرر شرعًا أن الربا كبيرة من كبائر الذنوب وأنها من "السبع الموبقات" التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقَرَنها بالشرك والقتل والزنا والقذف؛ فقال فيما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ».

وأخرج أبو داود في "سننه" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ».

والإيذاء في الأعراض يشمل القوليَّ منه كما يشمل الفعليَّ
والإيذاء في الأعراض يشمل القوليَّ منه كما يشمل الفعليَّ
؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وهذه الأفعال هي من الفحش والتفحُّش الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه عز وجل بُغضَه تعالى لصاحبه، وخروجه من دائرة الإيمان بمُلابسته وممارسته، وصدر بشأنه الوعيد الشديد من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأخرج الترمذي في "سننه"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن حبان في "صحيحه"، عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ».

وأخرج الترمذي في "سننه" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» .

ومما ورد في التقبيح من الفُحش ما أخرجه ابن أبي الدنيا من أحاديث وآثارٍ في ذلك في "الصمت" (ص: 181-191)؛ فمنها:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ».

وعن عطاء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «يَا عَائِشَةُ، لَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا لَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ».

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدًا وأبي أمامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا».

ويؤكد المفتي، أن الفئة التي تتحرّش بالنساء هم في الحقيقة يمارسون سلوكيات المنافقين الذين وجَّه الله تعالى نظر الحاكم إليهم ليحدّ من سوء فعالهم، وأوعدهم باللعن والإخراج من الدولة والقتل حسب درجات هذه الممارسة ومدى ما يصدر فيها من الأذى؛ تخويفًا أو تهديدًا أو انتهاكًا أو اغتصابًا؛ وذلك لكونهم يشكلون خطرًا على أمنها واستقرارها؛ فقال تعالى في محكم كتابه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ۞ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ۞ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-62].

ففي العهد النبوي المدني كان هؤلاء الصنف الخبيث من الناس يؤذون المؤمنين بتحرشهم بالنساء
ففي العهد النبوي المدني كان هؤلاء الصنف الخبيث من الناس يؤذون المؤمنين بتحرشهم بالنساء

، ويفعلون غير ذلك من أفعال الإرجاف والإفساد والخيانة التي تمس أمن المجتمع والأفراد؛ فنزلت الآيات بالعقوبات الرادعة التي تتناسب طردًا مع أفعال هؤلاء المرجفين والمنافقين؛ بما يضمن للدولة استقرارها، ويحفظ للمواطنين أعراضهم، ويوفر للنساء أمنهنَّ وحقوقهن وكرامتهن؛ من تهديدٍ، ومن إجلاءٍ، ومن إهدارٍ للدم؛ وذلك حسب الجرم الصادر منهم؛ ضربًا على أيديهم، ومنعًا لهم من المساس باستقرار الدولة وأمن المواطنين وحقوقهم، وذلك بعد أن كثرت منهم هذه الأفعال واشتهروا بها، وكثرت شكاية الناس منهم:

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: [لم يختلف أهل السيرة عندنا: ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجماعة ممن روى السيرة، أن بني قينقاع كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موادعة وعهد، فأتت امرأة من الأنصار إلى صائغ منهم ليصوغ لها حليًّا، وكانت اليهود معادية للأنصار، فلما جلست عند الصائغ عمد إلى بعض حدائده فشد به أسفل ذيلها وجيبها وهي لا تشعر، فلما قامت المرأة وهي في سوقهم نظروا إليها منكشفة فجعلوا يضحكون منها ويسخرون، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنابذهم وجعل ذلك منهم نقضًا للعهد". أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" من رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه.

وما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اليهودي الذي استكره المرأة فوطأها، فأمر به فصلب وقال: "من فعل منهم هذا فلا عهد له".

 

فالتحرش الجنسي جريمةٌ وكبيرةٌ من كبائر الذنوب وفعلٌ من أفعال المنافقين، وقد أعلن الإسلام عليه الحرب، وتوعد فاعليه بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، وأوجب على أولي الأمر أن يتصدوا لِمَظَاهِرِهِ المُشينة بكل حزم وحسم، وأن يأخذوا بقوة على يد كل من تُسَوِّل له نفسُه التلطخَ بعاره.


اضافة تعليق