الجدال في الإسلام.. هذا المستحب منه والمذموم

خالد أبو سيف السبت، 21 ديسمبر 2019 07:43 م
الجدال
الجدال قد يكون مذموما وآفة من آفات اللسان

 يعد الجدال آفة من آفات اللسان، إذا لم يكن له هدف بناء ومن أجل إحقاق حق وإزهاق باطل، حيث يصبح الإنسان بلا بوصله فيقع أسير هواه في هذا الجدال ، وبالتالي إذا كان ذلك حال المجادل، فهو يكون صفة مذمومة، ومؤشر على ضلال وانحراف الشخص الذي يمارس الجدال بهذا الشكل.


والجدال يُقصَد به كمصطلح المحاجَّة أو المناظرة واستعراض الآراء المدعومة بالحجج والبراهين التي تدعم رأي أحد المتجادلين أو تدعم وجهة نظره على نظيره الآخر، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم تارةً بلفظ الجدال، وأخرى بلفظ التحاج، وثالثة بلفظ المراء.


ولكون الإنسان كائن اجتماعي يعيش بين الناس ويتحدث معهم ويحاورهم، فقد كان وما يزال أكثر شيء جدلاً، في عموم المخلوقات، ولهذا قال عنه الله عز وجل في كتابه الكريم: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:45]، بيْدَ أنه سبحانه دعاه إلى الإيمان به واتباع شرعه، لضبط هذه الغرائز وتنظمها بعيدًا عن القمع والكبت أو الإسراف وإطلاق العنان، وأما حينما ينزوي الإنسان عن دائرة الإيمان تتمكن منه غرائزه وتسيطر عليه سيطرة تامة، فتُقيِّد عقله وتجعله في مهمة إشباعها وتهيمن على جوارحه، وتشغل قلبه، فيصير أسير تلك الغرائز، وبذلك تفقد وظيفتها وتنحرِف عن مهمتها من مجرد وسيلة ضرورية وإشفاقًا من الله تعالى على ذلك المخلوق لتحقيق غاية العمارة، إلى غاية في حد ذاتها، فيرتد الإنسان من ذلك المخلوق المكرَّم إلى درجة أحط من درجات البهيمية.


والمتأمِّل لمصدري التشريع الإسلامي يجد أن النصوص تتعامل معه تارةً على أنه مباح ومستحب وأخرى على أنه مذموم ومكروه، وبذلك فالجدال نوعان:


 أولهما: الجدال المستحب
وهذا اللون من الجدال قد جاء وصفه في القرآ الكريم مرة بأنه أحسن: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:46]، وثانية بأنه عن علم: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران:66]، وأخيرة بأنه ظاهر: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف من الآية:22].


والأصل في الجدال أنه مذموم لورود أكثر الآيات في ذمِّه إلا في الثلاثة السابقة، ومنها نستخلص سمات وشروط الجدال المباح وهي: - أن يرجى من المجادل عدم العناد واتباع الهوى، بل تبدوا عليه أمارات التجرد وعلامات التعقل، أما المعاندين المكابرين فجدالهم مذموم محظور، {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بعنادهم وإصرارهم على الباطل.


وإذا الخصمان لم يهتديا *** سُنَّةَ البحثِ عن الحق غبر - أن يكون الجدال بالتي هي أحسن من الرفق ولين الجانب وعدم التعالي والغرور، وإلا كان مذموماً، لأنه سيؤول إلى مفاسد عظيمة وأضرار بالغة. - أن يكون عن علمٍ وبصيرةٍ بموضوع الجدال، وإلا كان ممقوتًا وكان شره مستطيرًا، وسيأتي بيانه إن شاء الله، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}. - أن يكون موضوعه ذو قيمة وأن يبتغي من طرحه للحوار جدوى وفائدة عامة، كدفع ضرر شديد أو استجلاب خير وفير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والدارمي، وصحّحه الألبانى في المشكاة). - أن يبحث في جوهر الأمور ولا يتطرَّق إلى ثناياها، وأن يكون في صلب الموضوع ولا يحيد إلى النقاط الفرعية، {إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا}.


وهذا هو الحوار البناء الذي يخاطب العقل ويلتمس الإقناع، ويتمثّل في الدعوة إلى الله وائتلاف قلوب العباد وترغيبهم في الخير وفضائلة، وتنفيرهم من الشر وغوائله، والأمر بالمعروف بمعروف، والنهي عن المنكر بلا منكر، والحض على فعل الواجبات واجتناب المنهيات، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل من الآية:125].
وهذا الجدال المستحب يكثر في الأوساط العلمية؛ بين العلماء بعضهم البعض، وبين الدعاة وبين أهل الديان الأخرى، ويتخذ من المنهج المقارن أسلوباً له، وغالبًا ما يكون في المسائل العقدية والعلمية. ومن سمات هذا النوع أن صاحبه يبحث دائمًا عن نقاط الاتفاق ويبني عليها، ولا يركز على مواطن الخلاف ليُقيم عليها، فتتسع الفجوة وتزداد الهوة وينشأ التنافر، بما يفضي في النهاية إلى الكراهية والخصام.


 الأخير: الجدال المذموم
وهو الذي يغلب على أصحابه حب النفس واتباع الهوى من أجل إشباع غريزة الحاجة إلى الظهور والتميز عن الآخرين، فيغلب عليهم التعصب الأعمى ويسيطر عليهم الغضب، مما يفضي في النهاية إلى المنازعة والمخاصمة، وربما أدّى إلى أسوأ من ذلك. ويشيع هذا النوع بين عامة الناس وبسطائهم الذين لم يحصّلوا قدرًا كافيًا من العلم والثقافة، فما أن يطرح أحدهم موضوعًا ما إلا ويسارع المحيطين بإدلاء آرائهم وطرح أفكارهم، وبنفس السرعة يتحول الحضور إلى فريقين مؤيد ومعارض، ويسير الجدال في مثل هذه الظروف في عدة مراحل من السيئ إلى الأسوأ، حيث يحاول كل طرف أن يثبت تفوقه وأن رأيه صواب لا يحتمل الخطأ، وأن رأى الطرف الآخر خطأ لا يحتمل الصواب. - إن كان في الجلسة أكثر من اثنين تحول الأمر إلى فوضى، كما لو كانت سوقًا مملؤًا بالصخب والضجيج، حيث يتسابق الجميع إلى الكلام ومن ثم تعلوا الأصوات وتتداخل. - إن لاح لأحد الطرفين أن نظيره أقوى حجة منه وأبين دليلًا منه؛ سارع بالنيل من الآخر والتجريح في شخصه، والتقليل من شأنه، بسخرية واستهزاء، محاولاً صرف الأنظار بعيدًا عن الموضع حتى يتسنى له الظهور عليه.


 أما الطرف المستهان به فلن يرضخ لمثل ذلك، فتراه تارةً يدفع عن نفسه وأخرى يهاجم الآخر بمثل صنيعه. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله؛ بعض صور الجدال المذموم التي ربما تغيب عن أذهان البعض، حيث قال: "فإن قلت: لا بد للإنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه".


فالجواب ما أجاب به الإمام الغزالي رحمه الله: "أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل أو بغير علم، كوكيل القاضي، فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم". "ويدخل في الذم أيضًا من يطلب حقه، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد والكذب للإيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم.


 وأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء، ففعله هذا ليس حرامًا؛ ولكن الأوْلى تركه ما وجد إليه سبيلًا، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذِّر، والخصومة توغر الصدور، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما، حتى يفرح كل واحد بمساءة الآخر، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عِرضه، فمن خاصم فقد تعرَّض لهذه الآفات، وأقل ما فيه اشتغال القلب حتى إنه يكون في صلاته وخاطره معلَّق بالمحاجة والخصومة فلا يبقى حاله على الاستقامة" أهـ (الأذكار، النووي، ص: [371]).


ومن ثم فإن الجدال على النحو مجلبة للعداوة وذريعة للكذب وبابًا من أبواب الفتنة واتباع الهوى وسببًا من أسباب التفكك الاجتماعى من جرّاء التعصب الذي يؤل إلى التنابز والتنافر وتنامي الحقد والكراهية. - ومن آثاره أيضًا تغليف القلب بالقسوة ونزوع الخشية، وكراهية الحق في جانب المغلوب، وتنامي الغرور والكِبْر في جانب الغالب، فضلًا عما يجلبه للنفس من هم وغم، من حيث أنه شهوة للنفس إذا ثارت لا بد من إشباعها، وإلا أصابت صاحبها بالتوتر والقلق اللذان يؤلان إلى الكدر والحزن. - قال النووي رحمه الله: "قال بعضهم: ما رأيت شيئًا أذهب للدين، ولا أنقصَ للمروءة، ولا أضيع لِلَّذة، ولا أثقل للقلب من الخصومة". - وقال عبد الله بن حسين بن علي رضي الله عنهم: "المِراء رائد الغضب، فأخزى الله عقلًا يأتيك بالغضب". والآن يلوح في الأفق سؤالًا هو ثمرة البحث؛ كيف تعامل الإسلام مع هذه الظاهرة؟  لعلنا قد أشرنا أعلاه إلى ضوابط المباح، وأن الأصل فيه الذم وهو ما عليه أكثر النصوص، لذلك فقد حذَّرت النصوص القرآنية منه أيَّما تحذير، ونفَّرت منه أشد تنفير، ودعت كذلك لمجانبة أهل الأهواء وعدم الخوض معهم في جدال لا يُرجى منه خير.


مؤشر ضلال وانحراف
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجدال علامة الضلال بعد الهداية، ومؤشر الانحراف عن الجادة؛ لما يترتب عليه من آثار موبقة ونتائج مهلكة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ». ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف من الآية:58]" (رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة، وصحَّحه الألباني). وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك الرجل التي لا تهدأ عنده غريزة الجدال، بل تظل ثائرة لأتفه الأمور ويشتد في خصومته، ويجادل حتى يجادل خصمه ويقهره بأنه والعياذ بالله الأبغض إلى الله، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: "عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلدّ الْخِصَم» (متفقٌ عليه).


وقد توعَّد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الصنف الذي يُصِرُ على الجدال في الباطل رغم عِلمه به، قال صلى الله عليه وسلم: «ومن خاصم في باطل وهو يعلمه؛ لم يزل في سخط الله حتى ينزع» (رواه أبو داود وصحَّحه الألباني)، ويدخل في الوعيد المحامي الذي ينوب عن المبطل وهو يعلم أنه مبطل. إن ما سبق من نصوص يتعلق بالنوع المحظور؛ أما النوع المباح الذي يشيع بين العامة فقد رغّب النبى صلى الله عليه وسلم في تركه، لأنه من دواعي الفطرة فيثقل على النفس تركه، كذلك جاء الترغيب في تركه من باب درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح، ولأنه يعلم أنه صنو الضلال والانحراف، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا» (رواه أبو داود، وحسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة). 


 وقال الصمعي رحمه الله: "سمعت أعرابيًا يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلَّتْ كرامته، ومن أكثر من شيء عُرِف به". وأخرج الآجُرِيُّ بسنده عن مسلم بن يسار رحمه الله أنه قال: "إياكم والمِراءَ، فإنه ساعةُ جهل العالِم، وبها يبتغي الشيطان زلته".

اظهار أخبار متعلقة



وأخرج أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: "من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل". كان أبو قلابة رحمه الله يقول: "لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم! فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبِسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم".


وجاء رجل إلى الحسن رحمه الله فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: "أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنت أضللتَ دينك فالتمسه".


اظهار أخبار متعلقة



اضافة تعليق