حتى لا تضيع من يديك.. موارد الخير ثروة مهدرة لا نستغلها

أنس محمد الأربعاء، 11 ديسمبر 2019 10:27 ص
من يجهلها تضيع من بين يديه



يتجاهل الكثير من الناس، النعم التي بين أيدينا وما تحمله من خير دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، وفيه صلاح أمر الإنسان في الدنيا والآخرة وسعادته.

لكننا لا نحافظ على هذا الخير أو نستزيد منه، على الرغم من إلحاح حاجتنا إليه، لنصبح كالذي دلت عليه الحكمة القائلة: "اللي ما يعرف الصقر يشويه"، للدلالة على جهل الإنسان بالنعم التي بين يديه، ومع ذلك فهو يجهل قيمتها وقيمة ما تحمله من الخير.

اظهار أخبار متعلقة


 وقصة هذه الحكمة، تدور حول بعض الناس من يبخس الأشياء حقها ، ولا يعرف قيمتها الحقيقية فيتهاون بها
 وقصة هذه الحكمة، تدور حول بعض الناس من يبخس الأشياء حقها ، ولا يعرف قيمتها الحقيقية فيتهاون بها
، ويفرط فيها بسهولة ، ولا يشعر حتى بتأنيب الضمير أو الخطأ ، فلا يعرف قيمة الأشياء سوى أصحابها.

وقصة المثل أنه في قديم الزمن كان هناك رجلاً يمتلك صقرًا غاليًا وعزيزًا عليه ، وكان هو مصدر رزقه الوحيد ، فعليه كان يعتمد في صيد الحبارى التي يبيعها أو يأكل منها هو وأسرته ، وفي يوم كثيف الغيوم لا يناسب الصيد أطلق الرجل صقره سعيًا وراء الرزق ، ولكن الصقر على غير عادته تأخر ولم يعد.

 فظل الرجل ينتظر وينتظر لكن دون فائدة ، فأخذ يجوب المكان بحثًا عنه ، ولكن دون أثر ، وبينما هو سائر وجد راعيًا عند إبله ، فسأله عن طيره وإن كان قد رآه ، فقاله له الراعي أنه رأى طيران يتقاتلان أسفل الشجرة ، فقرعهما بعصاه وذبحهما ، وها هما على النار ينتظر شوائهما.

فبهت الرجل صاحب الصقر لما سمع ، وأصابه الهم والحزن وانفجر في الراعي قائلًا : ماذا فعلت ، أتشوي الصقر إنه لا يؤكل ، فما كان من الراعي إلا أن قال له : صقر أو غيره كلها طيور ، فأطلق الرجل هذا المثل في الراعي قائلًا : اللي ما يعرف الصقر يشويه.. أي من لا يقدر قيمة الصقر ولا يعرفه يفعل به أي شيء.

وهكذا نتعامل مع مفاتح الخير التي وضعها الله بين أيدينا، ومع ذلك تضيع من بين أيدينا
وهكذا نتعامل مع مفاتح الخير التي وضعها الله بين أيدينا، ومع ذلك تضيع من بين أيدينا
، ونتلمس الخير من هنا وهناك، كالذي كتب على نفسه أن يبحث عن ابنه وهو بين أيديه.


ومن مفاتح الخير التي تجلب الخير، ما دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر، فعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» رواه مسلم.

ينبهنا النبي على فاتح الخير في كلمات بسيطة، رغم أنها مهمة وثوابها عظيم حتى إنه يصل إلى شطر الإيمان، أي نِصْفَه.

كلمات بسيطة أيضا دل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي «والحمد لله تملأ الميزان» فمعناه: أنها عظيمة الأجر حتى إن ثوابها يملأ ميزان من يَحْمَدُ الله تعالى، وكذلك قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض»، فالتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق بجلاله، والسبب في أن فضلها عظيم إلى هذا الحد ما اشتملت عليه هذه الكلمات من تنزيه لله تعالى وافتقار إليه، فالله عز وجل منزه عن كل عيب في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.

ثم دل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كنز الصلاة فقال: «والصلاة نور»، فهي نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي آخرته؛ فإنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب، وهي عمود الإسلام، يقوم عليها بناؤه، فإذا لم يقم العمود انهار البناء؛ فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ عليها ويحرص حتى يَكْثُرَ نورُه وإيمانُه.


ثم يبيِّن صلى الله عليه وسلم أن: «الصدقة برهان»، ومعنى ذلك كما يقول العلماء أن الصدقة تكون برهانًا ودليلًا على إيمان فاعلها
ثم يبيِّن صلى الله عليه وسلم أن: «الصدقة برهان»، ومعنى ذلك كما يقول العلماء أن الصدقة تكون برهانًا ودليلًا على إيمان فاعلها
؛ لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدَّقَ استُدِلَّ بصدَقته على قوة إيمانه.

وينتقل النبي صلى الله عليه وسلم لفضيلة أخرى تجلب الخير: «والصبر ضياء»، فمعناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضًا على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا، قال إبراهيم الخواص: "الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة". وقيل: "الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب"، والضوء لا بد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، فيه حرارة وتعب ومشقة ولهذا كان الصابرون يُوَفَّوْنَ أجرهم بغير حساب.

ثم ينبهنا صلى الله عليه وسلم إلى عظيم شأن القرآن فيقول: «والقرآن حجة لك أو عليك» أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك، فيكون لك إذا قمت بواجبه من التصديق بما ورد فيه، وامتثلتَ أوامره، واجتنبتَ نواهيه فإذا هجرته وأهنته ولم تؤدِّ واجبك نحوه جاء شاهدًا عليك يوم القيامة.

ويختم صلى لله عليه وسلم توجيهه في هذا الحديث ببيان أن الناس ينقسمون إلى قسمين، فقال: «كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها»، فكل إنسان يسعى لنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته له فيعتقها من العذاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها؛ أي يهلكها. فاللهمَّ وفِّقْنَا لما تحب وترضى وأعنا على طاعتك وجَنِّبْنَا معصيتَك.


اضافة تعليق