النفس الأمارة بالسوء تحدث عنها القرآن بقصة أول جريمة على الأرض.. كيف تتنصر عليها؟

خالد أبو سيف الأحد، 08 ديسمبر 2019 08:10 م
النفس الأمارة بالسوء
النفس الأمارة بالسوء عون للشيطان على ابن آدم


النفس الأمّارة بالسوء هي التى تزين المعصية والشر للإنسان، وكأنها حليف للشيطان وعون له على ابن آدم لكي يقع فيما يغضب الله عز وجل من أقوال وأفعال، وقد حفل القرآن الكريم بالعديد من القصص التي تبرز وتكشف دور النفس اللوامة في جر الإنسان إلى المعصية.

وظهرت هذه النفس الشريرة مع أول جريمة فى تاريخ البشرية بين إبنى آدم حين قتل الأخ شقيقه مرتكبا أول جريمة قتل . فى جريمة القتل هذه يقول جل وعلا عن القاتل : (  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ) ﴿٣٠﴾ يوسف ). نفسه هى التى طوعت له قتل أخيه فقتله، ( طوّعت ) أى بررت وإستحلّت ، والسبب هو ( الحسد ) وهذا الحسد مبعثه ( الأنانية ) أو ( شُحُّ ) النفس .

مع إخوة يوسف

كما ظهرت تلك النفس الذميمة فى قصة يوسف نرى حسد وحقد أُخوة يوسف عليه وعلى أخيه وقولهم : ( لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ، سورة يوسف )، جاء التبرير بأنهم بعد جريمتهم سيتوبون ويكونون صالحين .

الجانب الشرير فى النفس يتركز فى ( الأنانية ) أو بالمصطلح القرآنى ( الشُّح )

 وقال الله عز وجل بعد ذلك :( وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّـهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴿١٨﴾ يوسف )،و قال لهم أبوهم ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا ) ، وتكرر هذا القول منه لهم : ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖفَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٨٣﴾ يوسف )، هنا النفس الأمارة بالسوء هى تسوّل الأمر ، تبرره وتستحله وتسوّغه.

وبها السامري يبرر جريمته

وهو نفس ما برّر به السامرى فعلته فى عبادة العجل : ( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴿٩٥﴾ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩٦﴾ طه )

والجانب الشرير فى النفس يتركز فى ( الأنانية ) أو بالمصطلح القرآنى ( الشُّح ) ،هو مرض قال عنه جل وعلا:( فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٦﴾ التغابن)، الإنفاق فى سبيل الرحمن جل وعلا علاج يتحدى به المؤمن شّح نفسه ، خصوصا إذا أنفق فى سبيل الله وهو فقير محتاج ، وتلك درجة عالية من الايمان حازها بعض الأنصار الفقراء فى المدينة الذين كانوا يؤثرون الفقراء المهاجرين على أنفسهم، قال جل وعلا فيهم :( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ الحشر )، بحسب ما ذكر "أهل القرآن".

الذى يهمنا هو تعبير (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ) يوقى من الوقاية أى إن الشح مرض نفسى خطير. وبسبب هذا الشح أو تلك الأنانية تحدث المتاعب والمآسى فى العالم ، وحتى بين الزوجين ، قال جل وعلا :  (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴿١٢٨﴾ النساء ) وقوله جل وعلا ( وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ ) يعنى أن ( الشُّح ) أصيل فى النفس لأنه الناحية الشريرة فى النفس البشرية ، والعلاج هو الإحسان والتقوى . من هنا يأتى الوعظ للأنا العليا .
التغلب على النفس الأمارة بالسوء وكسرها ليس صعبًا ولا مستحيلاً

اصدق الله يصدقك
والتغلب على النفس الأمارة بالسوء وكسرها ليس صعبًا ولا مستحيلاً، فمن أراد الإقلاع عن الذنب والتوبة الصادقة إلى الله عز وجل عليه أن يجدّ في عمله ويصدق الله تعالى حتى يعينه على التغلب على هواه وشهواته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تصدق الله يصدقك..". رواه النسائي في سننه.
وعلى من أرد التوبة إلى الله تعالى بصدق أن يستشعر مراقبة الله تعالى له في السر والعلانية، ويتذكر أنه مطلع على السر وأخفى، وأنه القائل في محكم كتابه: اَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].


وليتذكر كل عاص خطورة الذنوب وأضرارها عليه؛ فإن ارتكاب المعاصي يقسي القلب ويحرم من الطاعة ويمحق البركة ويؤدي إلى الوحشة وضيق الصدر والهوان على الله تعالى وعلى الناس، ولا ينظر إلى حجم المعصية وإنما ينظر إلى عظمة من عصى، ويعلم أنه مطلع على سره وعلانيته وقادر على أخذه أخذ عزير مقتدر.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



كما أن الذي يريد التوبة عليه أن يبتعد عن أمكنة المعاصي وأصحاب السوء ..
فإن وجوده في أماكن المعاصي أو مع أصدقاء السوء يؤدي به إلى الانتكاس والرجوع إلى المعصية من جديد وعدم التوبة منها، وعليه أن يتذكر نعيم الجنة وما أعد الله فيها لعباده التائبين .. والنار وما أعد فيها من العقاب للعصاة والمذنبين.
فإذا تذكر العبد هذه الأمور وما أشبهها وصدق الله تعالى فلا شك أنه سيقلع عن الذنوب والمعاصي بإذن الله تعالى.

اضافة تعليق