غزوة بني قريظة ..تأمين للمدينة وتطهير لها من الخونة والجواسيس

خالد أبو سيف السبت، 07 ديسمبر 2019 09:30 م
غزوة بني قريظة
غزوة بني قريظة كانت تأكيدًا لانتصار المسلمين في غزوة الأحزاب

وجود طابور خامس – بالمصطلح العصري- من الخونة والجواسيس  في المدينة كان أمر يهدد الدعوة الإسلامية الناشئة ويعرضها للخطر الذي كان مصدره الأساسي القبائل اليهودية، و بنو قريظة هي إحدى القبائل اليهودية التي كانت تسكنُ في شبه الجزيرة العربية وتحديدًا في المدينة المنورة، وبقيت تلك القبيلة في المدينة حتى وقعَ الحصار على حصن بني قريظة وحدثَ لهم ما حدث.

 

فغزوة بني قريظة هي إحدى الغزوات التي قام بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضدّ اليهود، وقعت في السنة الخامسة من الهجرة بعد غزوة الأحزاب مباشرةً بأمر من الله تعالى.


محاولة يائسة من المشركين
 تعدُّ غزوة بني قريظة من الغزوات الشهيرة في تاريخ المسلمين، فقد وقعتْ بعد غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، وفي ذلك الوقت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عهدٍ مع اليهود، فقد عاهدهم منذُ أن وصل إلى المدينة المنورة ولكنَّهم كعادتهم دائمًا كانوا كلما سنحت لهم فرصةٌ يغدرون بالمسلمين، وفي غزوة الأحزاب كانت قريش وحلفاؤها يحاصرون المسلمين في المدينة وأثناء اشتداد المعركة غدر بنو قريظة بالعهود والمواثيق التي عاهدوا عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان هذا السبب الرئيسي وراء غزوة بني قريظة، فبعدَ أن طالت فترة حصار المسلمين من قبل الأحزاب، فقَدَ المشركون الأمل في اقتحام المدينة من جهة الخندق الذي حفره المسلمون أمام المدينة.


 فقرَّرَ قادة الأحزاب أن يدخلوا على المسلمين من المكان الذين يعتبرونَه آمنًا أي من جهةِ حصن بني قريظة، فذهب حَيي بن أخطب ومعه بعض قادة اليهود إلى بني قريظة وطلبوا منهم أن ينضموا إلى الأحزاب وكان قد استقبلهم سيّدُ بني قريظة كعب بن أسد، وبعد حديثٍ طويلٍ انضمَّ بنو قريظة إلى الأحزاب وغدروا بالمسلمين. فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ليتحققوا من صحة الخبر، فلما ذهب الثلاثة وجدوا أنَّ الخبر صحيح وتيقَّنوا من ذلك النبأ، لكنَّ الله تعالى هزمَ الأحزاب ومزَّقهم شرَّ ممزَّق عندما هبَّت عليهم ريحٌ عاتيةٌ اقتلعت خيامهم وشتَّتهم فانقلبوا خاسرين، وكما روت السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنَّه لما رَجَعَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِن الخَنْدَقِ، ووضعَ السلاحَ واغتَسَلَ، أتاه جبريلُ -عليه السلام-، فقال: قد وضعْتَ السلاح! والله ما وضعناه، فاخرُجْ إليهم. قال: فإلى أين؟، قال: ها هنا، وأشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ، فخرَجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إليهم غازيًا.

 

هداف غزوة بني قريظة
من أهمِّ أهداف غزوة بني قريظة:
طاعة الله تعالى والتزام أوامره، فقد أتى أمر الله تعالى بغزو بني قريظة، فقد روت السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنَّه لما رَجَعَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِن الخَنْدَقِ، ووضعَ السلاحَ واغتَسَلَ، أتاه جبريلُ -عليه السلام-، فقال: قد وضعْتَ السلاح! والله ما وضعناه، فاخرُجْ إليهم. قال: فإلى أين؟، قال: ها هنا، وأشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ، فخرَجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إليهم غازيًا.
معاقبة يهود بني قريظة على غدرهم بالمسلمين.


- الردّ على اعتداءات اليهود المتكررة، خاصّةً عندما ترك المسلمون ديارهم وانشغلوا بالدفاع عن المدينة وحاول بعض اليهود اقتحام حصن المدينة، قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
تطهير المدينة المنورة من شرِّ ورجس اليهود وطردهم منها. إظهار قوَّة وشوكة المسلمين بأنَّهم قادرون على قلب الحصار إلى نصر عظيم منَّ الله تعالى به على المسلمين.


أحداث غزوة بني قريظة :
بعد أن انسحبَ الأحزاب الذين كانوا يحاصرون المدينة، ورجعوا مهزومين إلى مكة المكرمة، دخل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إلى بيته فجاءه أمر الله تعالى بقتال بني قريظة على لسان جبريل -عليه السلام- وأمره أن يُسرع في الخروج إليهم، عند ذلك وكما ورد في الحديث خرجَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك اليوم إلى أصحابه ونادى فيهم قائلًا: "لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بَني قُرَيظَةَ"، فأدركَ بعضَهُم العصرُ في الطريقِ، فقال بعضُهُم: لا نُصلي حتى نَأتيَها، وقال بعضُهُم: بل نُصلي، لم يُرَدْ مِنَّا ذلك. فذُكرَ ذلك للنبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فلم يُعَنِّفْ واحدًا مِنهم.

فانطلق المسلمون في ثلاثةِ آلاف مقاتل إلى حصن يهود بني قريظة، وحاصروا الحصن كما أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واستمرَّ حصار بني قريظة خمسًا وعشرين ليلةً تقريبًا، وكان يهود بني قريظة قد أنهكهم الحصار وفقدوا الأمل بالنجاة من المسلمين وقذف الله الرعب والخوف في قلوبهم، فلم يجدوا بدًّا من الاستسلام لأنَّهم عاجزون عن تقديم الأعذار عن خيانتهم للمسلمين، فآثروا الاستسلام بعد خمسٍ وعشرين ليلةً من الحصار وقالوا: نقبلُ بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكنَّهم استشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر في ذلك فأشار إليهم أنَّه سيذبحهم، فغيروا رأيهم وقالوا: نرضى بحكم سعد بن معاذ، فبعثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وراء سعد بن معاذ فأتى وحكم فيهم حكمه الذي ما زال عبرةً لكلِّ من يغدر ويخون المسلمين، فحكمَ فيهم سعد بن معاذ أن يُقتلَ رجالهم وتسبى نساؤهم وأطفالهم وتؤخذ أموالهم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: حكمت فيهم بحكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات.


 ونفَّذ المسلمون حكمَ سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، فقتل جميعُ رجالهم وكان يبلغُ عددهم 400 مقاتل ويقال أنهم 700 مقاتل وبعضهم أوصل العدد إلى 900 مقاتل ، ولم تقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة كانت قد قتلت أحد الصحابة، ولم يقتل الذين لم يبلغوا الحلم من الذكور بل تمَّ أسرهم مع النساء السبايا لأن رسُول اللَّه -صلَّى اللَّه عليهِ وسلم- كان قد أمرَ بقَتلِ كلِّ منْ أَنبتَ من الذكور، ومن لم ينبتْ تركَ مع الأسرى، فعن عطية القرظي -رضي الله عنه- قال: "كنتُ من سبيِ بني قُرَيْظةَ، فَكانوا ينظرونَ فمن أنبتَ الشَّعرَ قتلَ، ومن لم ينبت لم يقتل، فَكنتُ في من لم ينبت، وفي رواية فكَشفوا عانتي فوجدوها لم تنبُتْ فجعلوني منَ السَّبيِ" ، وتمَّ تقسيم أموال بني قريظة على المسلمين، ونزل قوله تعالى في بني قريظة: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} .

نتائج غزوة بني قريظة

حملت غزوة بني قريظة التي قام بها المسلمون ضدَّ يهود بني قريظة في المدينة الكثيرَ من النتائج المهمة للمسلمين، وكان من أهمِّ نتائج غزوة بني قريظة:
- إظهار قوة المسلمين وتثبيتُ هيبتهم وشوكتهم في أنظار المشركين والمنافقين.
- الحصول على كثير من الغنائم من أموال وممتلكات بني قريظة مما ساهمَ في تقوية المسلمين اقتصاديًا.
- إخراج آخر شريك للمشركين من المدينة وإنهاء الفتن والمخاوف من داخل المدينة وقطع الأمل على المشركين خارجها.
- تطهير المدينة المنورة من الخونة والمتآمرين والجواسيس من اليهود، وإنهاء وجود اليهود في المدينة إلى الأبد. حماية الجبهات الداخلية للدولة الإسلامية.
- تهيئةُ المسلمين لتحقيق انتصارات جديدة ورفع معنوياتهم بعد حصار جيوش الأحزاب لهم في غزوة الخندق، فكانت غزوة بني قريظة دفعة قوية لرفع المعنويات وتحقيق الانتصارات المتلاحقة.

اضافة تعليق