حتى لا تكون من أصحاب الهوى.. انتصروا على شهواتهم فخلدهم التاريخ

أنس محمد الثلاثاء، 03 ديسمبر 2019 03:18 م
لا تسمع لهؤلاء.. ماذا فعلوا من أجل تحصيل شهواتهم؟



من أكثر الأشياء التي تطعن في مصداقية أي إنسان، هي اتباع وشرعنة الهوى، بحيث يفتي أحدهم بما يصب في صالحه، ويقول من المبررات الشرعية والمسوغات ما يكون تابعا لما وقع في قلبه من الهوى، وقد حذر الله تعالى من هذه الآفة، فقال تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء:135) .

 فاتباع الهوى، خلاف مقصود الشرع وإن صادفك الحق؛ والدلالة على ذلك أنه إذا كان الشرع الشريف أباح تعدد الزوجات، على سبيل المثال، فهناك من جعل التعدد عبادة، وجعل لنفسه الحق في أن يتزوج ولو على حساب أسرته ومستقبل أبنائه، بل إن بعضهم وصل به الحال لحد محاولة تغيير فطرة المرأة التي فطرها الله عليها من الغيرة، فأصبح بعضهم يقنع زوجته بأنه يجب عليها شرعًا أن توافق على زواجه، وتذهب بنفسها لحرق بيتها بالبحث لزوجها عن زوج آخر، وإلا تكن عاصية لله ورسوله بحسب ما يغرر بها زوجها ويقنعها زورًا، غير مكترث بأي معنى من معاني الوفاء بها.

اظهار أخبار متعلقة


 وهناك عشرات الأمثال الأخرى تكشف آفة شرعنة الهوى والشهوات، فصاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام
 وهناك عشرات الأمثال الأخرى تكشف آفة شرعنة الهوى والشهوات، فصاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام
، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (الجاثـية:23) .


وقال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام : "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" وقال عبد الله بن عون البصري :"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه".

وصاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.

قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون‏:‏ نفوّض معناه إلى اللّه، وهذا فعل عامتهم".


وقال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل ؛ ليعموا بها عباد الله".
وقال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل ؛ ليعموا بها عباد الله".

والخطورة في هذه الآفة أن صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجراً في خاصرة الأمة، ومفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه.

نماذج مشرفة

بعض العلماء امتنع حتى من أخذ حصصهم من تركات آبائهم ورعًا، ومن ذلك ما يحدثنا به الذهبي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- من أن الإمام المحدّث يزيد بن زريع "مات أبوه وكان واليا على الأبُلّة (في العراق) فخلف خمسمئة ألف فما أخذ منها حبة". كما يخبرنا القاضي عياض المالكي (ت 544هـ) أن أبا القاسم الباجي –وهو نجل إمام المالكية في وقته أبي الوليد الباجي (ت 474هـ)- "تخلى عن تركة أبيه لقبوله جوائز السلطان وكانت وافرة، وخرج عن جميعها حتى احتاج بعد ذلك".


ويُحذر القرافيّ (626- 684ﻫ) الفقهاءَ من إصدار الفتاوى تفصيلاً إرضاءً لهواه، فيقول في ‘الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام‘: "ولا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديدٌ والآخَر فيه تخفيف
ولا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديدٌ والآخَر فيه تخفيف
: أن يُفتي العامَّة بالتشديد، والخواصَّ من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريبٌ من الفسوق والخيانة في الدين، والتلاعب بالمسلمين، ودليلُ فراغ القلب من تعظيمِ الله".


وهنا يتحاكمُ القرافيّ إلى ضمير الفقيه وخشيته، فيُشير إلى الخشية التي ركّز عليها العلماء كثيراً، وكأنّهم لا ينزعون العلم عن الضمير والدين، لأنّ العلم دون خشية يُجرّد العالم من حياديته، ويُرجّح كفّة الهوى لديه على كفّة العلم، فيزدريه الناس وينتفي أثرُه على المجتمع إلى حدّ كبير.

أما تقي الدين الحصني الشافعي (ت 829هـ) فيرى -في كتابه ‘كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار‘- أن "أشد الناس فسقا من المسلمين فقهاء السوء وفقراء (= الصوفية) الرجس، الذي يترددون إلى الظلمة...، مع علمهم بماهم عليه من شرب الخمور وأنواع الفجور، وأخذ المكوس، وقهر الناس على ما تدعوهم إليه أنفسهم الأمّارة، وسفك الدماء، وقمع من دعاهم إلى ما نزلت به الكتب وأرسِلت به الرُّسل، فلا يُغترّ بصُنْع هؤلاء الأراذلِ من الفقهاء والفقراء".

فالعامّة دائماً ينظرون لهؤلاء العلماء على أنّهم تجسيد للدِّين نفسه، ولا يكادون يفصلون بين الحامل والمحمول
فالعامّة دائماً ينظرون لهؤلاء العلماء على أنّهم تجسيد للدِّين نفسه، ولا يكادون يفصلون بين الحامل والمحمول
! ولذا جاءت تلك اللهجة الشديدة والنقد الداخلي، من الفقهاء للجماعة العلمية حفظاً للدين برمته، وتقرر عندهم وجوب الإنكار حتى على العلماء أنفسهم إذا ارتكبوا خطأ أو خطيئة، لأن "عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأمة التي أعظم الله بها عليهم النعمة"؛ بتعبير ابن حجر الهيتمي (ت 973هـ) في ‘الفتاوى الفقهية الكبرى‘.



ولمّا دخل المحدّث الكبير علي بن المديني (ت 234هـ) في خدمة القاضي المعتزلي أحمد ابن أبي دؤاد (ت 240هـ) قاضي محنة القول بخلق القرآن المعروف؛ هجرهُ أحمدُ بن حنبل رغم ما بينهما من ألفة شخصية وملازمة طويلة في الدرس العلمي. ووفقا للذهبي؛ فقد "كان ابن أبي دؤاد محسنا إلى علي ابن المديني بالمال لأنه بلديُّه ولشيء آخر"، ولم يحدد لنا الذهبي طبيعة هذا "الشيء الآخر" ولعله مما يُستكره على العلماء!!

فقد كان العامة يلجؤون إلى الفقهاء عند كل نائبةٍ، وكان هؤلاء بمثابة المؤسسة العلمية والاجتماعية التي تدرس حالات المجتمع، وترصد جوانب الخلل فيه لتعالجها دون أن ترتهن لرغبات تياراته؛ ولذلك حذر نظام الدين القمي النيسابوري (ت بعد 850هـ) -في تفسيره للقرآن- من "علماء السوء الذين يغرّون العوامَ بالرجاء والطمع، ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد".

اضافة تعليق