حتى لا تكون معدتك بيتًا للداء.. كيف تتناول طعامًا صحيًا دون أن تمرض؟

الخميس، 28 نوفمبر 2019 12:01 م
هكذا تعتدل في الطعام والشراب


نهى الشرع الشريف عن أن يتعامل الإنسان مع بطنه على، أنها وعاء يملأه بما لذ وطاب أو بما خبث وقذر، لمجرد إشباع رغبته في الأكل، والاستجابة لشهوته كلما وجد طعامًا أمامه.

بعض الناس تترك ما ورد في القرآن الكريم والسنة من النهي عن الإسراف في الطعام والشراب لما له من أثر سيئ على صحة الإنسان، وتعمل بما جاء في بعض الأمثال الشعبية الخاطئة مثل: "وجع البطن ولا دلق الطبيخ"، فتأكل ما خبث من الطعام لينقلب عليه خبث ما أكل وملأ به بطنه.

اظهار أخبار متعلقة



 ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآفة الإنسانية، دون علاج، بل نبه عليها مرارًا وتكرارًا في أحاديثه الشريفة.
 ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآفة الإنسانية، دون علاج، بل نبه عليها مرارًا وتكرارًا في أحاديثه الشريفة.

وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ذلك: «مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرٌّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الآدَمِيَّ نَفْسُهُ؛ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» رواه أحمد في "مسنده".

ويعود تنبيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمرٍ عامٍّ وآخر خاص.

أما الأول:

أن من مقاصد الشريعة أن يلبي الإنسان حاجته في الدنيا بما يكفيه فقط وليس بما يزيد عليه، وخاصة في الطعام والشراب، فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية، وكل ما يظهره الله عزَّ وجلَّ لك من غير الأمور وبديهات المصائب، فإنما هو تزهُّدٌ لك في الدنيا إنْ فطنت لذلك، وكل ما صرف عنك مثل هذا فهو خير، وإنْ كرهت.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : «مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرٌّا مِنْ بَطْنٍ» ولو كان من حلالٍ، فإن كان لا بدَّ فثُلُثٌ طعامٌ، وثُلُثٌ شرابٌ، وثُلُثٌ نَفَسٌ، فقد صار الأكلُ في ثلث البطنِ خيرًا من الأكل مِلأَهُ لأّنَّه شرٌّ، وما نقص من الشَّر فهو خيرٌ؛ وفي الخَبَرِ: ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء ولو من حلال".

وأما الثاني فيختص بالطعام، والأذى الذي يُلحقه الإكثار من الطعام بالإنسان؛ فالحديث واضح الدلالة في أذيَّة الكثرة من الطعام، فالتأذِّي بالأكل مثل التأذِّي بالجوع أو أشد، وإنما وضع الطعام دواء من داء الجوع، إذا وجدته عالجته به، فإذا لم تجدْهُ صار الأكلُ داءً.

واتفقت علوم الطب بأنَّ داءَ البطن هو الأصل لكلِّ داءٍ؛ فقديمًا قال الطبيب العربي الحارث بن كلدة: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعْطِي كلَّ بدنٍ ما عودتَهُ".
وأيدَّه الشاعر العربي حين قال:

فإنَّ الدَّاءَ أكثر ما تراه ... يكونُ من الطَّعامِ أو الشَّرابِ

ومن بين ما توصلت إليه الدراسات الحديثة، اختبارات أجراها العلماء على الحيوانات، كشفت أنَّ الاضطرابات التي تحدث في الدِّماغ وتنتج الشلل الرعاش قد يكون مصدرُها بكتيريا في الأمعاء.
كشفت أنَّ الاضطرابات التي تحدث في الدِّماغ وتنتج الشلل الرعاش قد يكون مصدرُها بكتيريا في الأمعاء.



ويسبب مرض باركنسون أو الشلل الرعاش تدهورًا تدريجيًا في وظائف الدماغ، وهو ما يجعل المرضى يعانون من رعاش وصعوبة في الحركة.

واستخدم باحثون فئرانًا عُدلت وراثيًا لتصبح مصابةً بمرض باركنسون وأنتجت مستوياتٍ عاليةً جدًا من بروتين "ألفا-ساينوسلين" المرتبط بالتَّدهور في وظائف الدِّماغ لدى مرضى "باركنسون".
لكن أعراض المرض ظهرت فقط على الحيوانات التي لديها بكتيريا في المعدة، وظلت الفئران المعقمة بحالةٍ صحيَّةٍ جيدة.

وقال الدكتور تيموثي سامسون -أحد الباحثين والأستاذ بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا-: "إنه اكتشاف مثير، لقد كانت الفئران متماثلة من الناحية الجينية، والاختلاف الوحيد كان وجود أو غياب الجراثيم في الأمعاء".. وأضاف: "الآن أصبحنا متأكدين تماماً من أن بكتيريا الأمعاء تنظِّمُ، بل إنها عامل أساسي في أعراض مرض باركنسون".

لذلك يقول النبي في العلاج  "حَسْبُ الآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الآدَمِيَّ نَفْسُهُ؛ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ".

ويقول الإمام الغزالي في "ميزان العمل": "أما شهوة البطن فداعية إلى الغذاء. والمَطْعَم ضربان: ضروري وغير ضروري.
أما الضروري، فهو الذي لا يُسْتَغنى عنه في قوام البدن، كالطعام الذي يتغذى به، والماء الذي يرتوى به، وهو ينقسم إلى محمود ومكروه، ومذموم ومحظور:

وأما المحمود: فأن يقتصر على تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى على العلم والعمل إلا به، ولو اقتصر عنه لتحلَّلَت قُواه واختل بدنه، فهذا المقدار، إذا تناوله من حيث يجب كما يجب، فهو معذور، بل مشكور ومأجور، إذ البدن مركب النفس، لتقطع به منازلها إلى الله تعالى.

وأما المكروه: فهو الإسراف والإمعان من الحلال والزيادة على قدرة البُلْغَةِ

وأما المكروه: فهو الإسراف والإمعان من الحلال والزيادة على قدرة البُلْغَةِ
؛ قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ وِعَاءٍ أَبْغَضُ إِلَى اللهِ عَزَّ وجل من بطن مليء مِنْ حَلَالٍ».


وهو أيضًا مضِرٌّ من جهة الطِّبِّ، فإنه أصل كل داء؛ قال عليه الصلاة والسلام: "البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء، وعوّدوا كل جسد ما اعتاد".. فامتلاء البطن مُقَوِّي للشَّهوة، وتَقَوِّي الشهوة داعية للهَوى، والهَوى أعظم جند الشيطان، الذي إذا تسلَّط سَبَاهُ عن ربه وصرفه عن بابه.

وإمداد جنود الأعداء بالمقوِّياتِ يكادُ يَنزل منزلة عين العداوة.

فلهذا يكاد تكون الكراهية فيه حظرًا؛ ولذلك قيل لبعضهم: ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد أُنْهِكَ. فقال: "لأنه سريع المرح، فاحش الأشر، فأخاف أن يجمع بي فيورّطني، ولئن أحمله على الشدائد أحب إليّ من أن يحملني على الفواحش".

وأما المحظور: فهو التَّناول مما حرَّم الله عز وجل من مالِ الغير أو المحرَّمات".


اضافة تعليق