من منازل الروح.. لماذا حث الإسلام على مداومة عمارة الأرض ولو قامت القيامة؟

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2019 01:36 م
920197144911744920929



يعجز العقل عن تفسير سر الإلحاح على عمارة الأرض في الإسلام، حتى أنه حث على مداومته ولو قامت القيامة، على الرغم من هول ما فيها، إلا أنه ومع هذا الإلحاح تشعر وكأن السبيل الوحيد للتوبة والنجاة من أهوال يوم القيامة هو الالتجاء إلى الله بعمارة هذه الأرض التي استأمنه عليها.


يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» رواه أحمد.

اظهار أخبار متعلقة


والمدقق في معالم الهدف الإسلامي المنشود يجد حرص شريعته على دفع الإنسان دفعًا متواصلًا وحثيثًا لعمارة الأرض
والمدقق في معالم الهدف الإسلامي المنشود يجد حرص شريعته على دفع الإنسان دفعًا متواصلًا وحثيثًا لعمارة الأرض
، وجعل من شروط الدخول في معية الله والالتجاء إليه هو العمل والإنتاج والإعمار، والاستفادة مما سخَّره الله فيها لينفع نفسه وغيره في تحقيق حاجاته وإشباعها؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61]، فــقوله: ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عُمَّارها وسكَّانها.


وقد فهم الإمام على كرّم الله وجهه مقصود الشريعة الإسلامية، ودلل على فهمه لها حينما جاء لفظ العمارة للدلالة على التنمية في خطابه لواليه في مصر مالك بن الحارث الأشتر رضي الله عنه، جاء فيه: "وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب خراجها؛ لأن ذلك لا يُدْرَك إلا بالعمارة".

وعمارة الأرض لا تقوم إلا بالعمل؛ لأن العمل هو شرط الملكية، وكل عمل ابن آدم محاسب عليه، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].


بل أن الله سبحانه وتعالى جعل العمل في القرآن الكريم مقرونًا بالإيمان في أكثر من سبعين آية من آياته.



فحثَّ القرآن في أغلب آياته على العمل، وجعل العمل شرطا لدخول الجنة، وأعلى من شأنه وجوبيَّن أهميَّتَهُ،
فحثَّ القرآن في أغلب آياته على العمل، وجعل العمل شرطا لدخول الجنة، وأعلى من شأنه وجوبيَّن أهميَّتَهُ،
فحياةُ الإيمان بدون عملٍ هي عقيمٌ؛ كحياة شجرٍ بلا ثمرٍ.

وأكثر ما حرض النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين هو على العمل والبناء، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يهتم بالعمل والترغيب فيه، فيقول: "ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلىَّ من موطنٍ أتسوَّقُ فيه لأهلي أبيع وأشتري"، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "كان أبو بكر رضى الله عنه اتجر مع قريش حتى دخل في الإمارة".

ولقد خلق الله الإنسان وأوجده في هذه الحياة لأجل تحقيق أمور ثلاثة هي جوهر وجوده ووظيفته على الأرض، وهي عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس، فعبادة الله هي الغاية التي خلق الله تعالى الخلق لأجلها؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].



وحينما تنظر في حياة الرسل والانبياء فكان كلهم من أهل الحرف والصناعة، وبعث الله الرسل للخلق؛ لأجل تحقيق هذه الغاية
وحينما تنظر في حياة الرسل والانبياء فكان كلهم من أهل الحرف والصناعة، وبعث الله الرسل للخلق؛ لأجل تحقيق هذه الغاية
من خلق الإنسان؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].


فما إن تتحقق هذه المهمة التي كلف الله بها عباده وهي خالصة لله تعالى، إلا وتبدو آثارها على الخلق ظاهرة، متمثلة في صلاح الفرد والمجتمع، بل الكون كله، فالعبادة الحق هي الضمانة للإنسان من أن تنحرف نفسه البشرية إلى مهاوي الضلال والتطرف.


وقد ألهم الله عباده سبل تزكية النفس فهي من مقاصد القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۞ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]؛ لذا نجد أن النصر والتوفيق مرتبط بهذه التزكية، وأيضًا الهزيمة مرتبطة بالتقصير والإهمال في حقِّها، وبما أن التزكية سببٌ للوصول إلى الجنة في الآخرة، فهي أيضًا سببٌ للوصول إلى جنة الدنيا وزهرتها؛ لأنها تهذب سلوك الإنسان بعد أن هذبت أخلاقه، فكان انعكاس صلاحها على جميع أفعال المرء المسلم في حياته أمرًا واقعًا لا محالة، وأصبحت أفعالًا تساهم في البناء والعمران.



وفي فقه البناء والعمارة في الإسلام نجد أن الإسلام اهتم بالإنسان أولًا، وبإعمار نفسه وتزكيتها ثانيًا حتى يصل إلى إعمار الكون حوله، فإعمار النفوس هو الأساس الذى يُبنى عليه إعمار الأرض؛ لأنه لا يمكن التأسيس لأية حضارة راقية إلا بإعمار وتزكية الجانب الخُلقي للإنسان؟.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 30].

لقد أشاع الإسلام ثقافة الإحياء، وحثَّ عليها؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]؛ لأجل تحقيق السِّلمِ الاجتماعي، ولم يكن هذا مقصورًا على الإسلام فحسب؛ بل إن كلَّ الأديان جاءت لتحقيق السلم الاجتماعي في مجمل رسالاتها، ووقفت ضد كل ما يهدد هذا السلم، سواء جاءه التهديد من الداخل أو الخارج، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة من إشاعة مبدأ تعزيز السلم، ومحاربة كل ما يهدده، حتى لو تستر هذا التهديد بستار الدين، أو اتخذه قناعًا يخفى خلفه مآربه السيئة، بل إن الإسلام اعتبر المشاركة أو الدعوة إلى تكدير السلم، وإشاعة الإرهاب والفوضى، والإفساد في الأرض من الذنوب الكبائر، بل من الآثام التي لا تلحق بالجناة فقط، إنما كل من أيد وارتضى هذه الخطايا فهو كمن شهدها أو شارك فيها.

وأمر الشرع بإحياء النفس، وحضَّ على إحياء الأرض إلى آخر لحظة من لحظات معيشة الإنسان على وجه الأرض
وأمر الشرع بإحياء النفس، وحضَّ على إحياء الأرض إلى آخر لحظة من لحظات معيشة الإنسان على وجه الأرض
؛ كصورة من صور الإعمار واستدامة هذا الإعمار إلى آخر مداه الذي يمكن فيه وبه تحقيق هذه الاستدامة، فكان الحديث الذي بين أيدينا: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».


يقول الشيخ الشعراوي: "بعض الناس يقول: نعبد الله ولا نعمل. نقول لهم: العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود، ولا تفهموا العبارة على أساس أنها الشعائر فقط، فالشعائر هي إعلان استدامة الولاء لله، وتعطي شحنة لنستقبل أحداث الحياة، ولكن الشعائر وحدها ليست كل العبادة، فالمعاملات عبادة، والمفهوم الحقيقي للعبادة أنها تشمل عمارة الأرض؛ فالحق سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]".

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» رواه أحمد.

اضافة تعليق