خطبة الجمعة غدا .. فضائل التابعين

الخميس، 14 نوفمبر 2019 09:00 م
التابعين

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

خير أتباع المرسلين والنبيين بعد الصحابة أجمعين، التابعون وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، فإنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم لم يروه، وتحروا ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، فعلموه وحفظوه وعملوا به، وبلغوه، وعرفوا منزلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأنهم ومنهاجهم، فأحسنوا صحبتهم وذكرهم، وأحبوهم وأحسنوا الاقتداء بهم، واستغفروا لهم، وهدوا الأمة إلى منهاجهم، وقرروا فضلهم وفضائلهم، والجواب نحوهم وما لا ينبغي في حقهم، ورسموا سنناً ثابتاً ومنهجاً قويماً، لمن جاء بعدهم مريداً إتباعهم بإحسان، واللحاق بهم فيما من عليهم به الرحمن، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً، وسلك بنا سبيلهم، وألحقنا بهم، وبسلفهم من المهاجرين والأنصار، في كل ما وعدهم به من المثوبة في أشرف الأذكار.
إن التابعين وتابعيهم رحمهم الله هم أول من اتبع المهاجرين والأنصار بإحسان، وأول من جاء بعدهم واستغفر لهم، ولمن يكن في قلوبهم غلاً لهم كما في محكم القرآن.
التابعون وأتباعهم هم الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية بعد قرنه، وتمنى رؤيتهم فيما صح عنه من قوله، وبشر بظهور الدين في زمانهم ونصره، قال صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((وددت لو أنا رأينا إخواننا))، فقال الصحابة رضي الله عنهم: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: ((أنتم أصحابي، وإخواني يأتون من بعدي يؤمنوا بي ولم يروني))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتقولون: نعم فتنصرون، ثم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتقولون: نعم فتنصرون، ثم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتقولون: نعم فتنصرون)).
أيها المسلمون
التابعون جمع تابعي، وهو: كل من رأى الصحابي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتابع التابعين هو: من رأى التابعي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم فهم المقتدى بهم -دون من رمي ببدعة أو لقب غير مرضي- لكن من شهد لهم بالإمامة، وعرف عظم شأنهم في الدين، وتلقى فقهاء الملة كلامهم بالقبول خلفاً عن سلف، فهم -بعد الصحابة أجمعين- خير قرون الأمة على الإطلاق والسلف الصالح باتفاق، لثناء الله تعالى عليهم بالإتباع بإحسان، ولشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية فيما صح عنه من بيان، وتمنيه رؤيتهم لإيمانهم بالغيب، وإخباره باستمرار ظهور الدين ونصرة أهله في زمانهم بلا ريب، فاعرفوا لهم فضلهم وشأنهم، وقوموا بما ينبغي نحوهم.
أيها المسلمون:
لقد تواطأت نصوص الكتاب والسنة وما أثر من كلام الصحابة خير الأمة على الثناء على متبعي الصحابة بإحسان من أهل القرون المفضلة، وذلك شهادة بفضلهم وعلو منزلتهم، وسلامة معتقدهم، وحسن منهاجهم، وما بلغوه من الكمال الذي لا يحلقهم فيه أحد من الأمة إلا من اتبع سبيهم وأقتفى آثارهم، فتبين بذلك أنهم على الحق الصريح، الذي لا مراء فيه، وعلى وجوب إتباعهم على ما كانوا عليه من العلم والعمل والهدي، فإنهم من بعدهم من قرون الأمة، ذلكم لأن التابعين رحمهم الله تفقهوا على الصحابة، وأخذوا العلم والعمل عنهم، فأتقنوا ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق علماً وعملاً وخلقاً على أيدي الصحابة، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه وحفظوه وحققوه، وبلغوه وبينوه لمن بعدهم من تابعي التابعين، بكل دراية وأمانة ونصيحة وإتقان، فكانوا رحمهم الله من الإسلام والدين، ومراعاة أمر الله تعالى ونهيه، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته بالمحل الذي اختاره الله عز وجل، ووضعهم فيه، ونصبه لهم بقوله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: 100]، ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 3،4]، لأنهم طلبوا الهدى ودين الحق مخلصين محتسبين، وصبروا على المجاهدة في تحصيله والعمل به، وتبليغه وتبيينه موقنين، فحقق الله تعالى لهم كريم وعده بقوله: ﴿َجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، وهؤلاء التابعون وأتباعهم قد اختارهم الله تبارك وتعالى بعد الصحابة رضوان الله عليهم على علم لإقامة دينه، وهداية عباده، وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده، وأمره ونهيه، وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، فهم خلف الأخيار، وعلماء الأمصار، وأعلام الملة على مر الأعصار، إذا اجتمعوا على الكتاب والسنة، واقتفوا آثار الصحابة خير الأمة، وبصروا الأمة عند كل حادثة مدلهمة، وردوا كل محدثة وبدعة، فكانوا بحق الطائفة الناجية من التفرق والنار، المبشرة بالجنة دار الأخيار، وأهل الحق أهل السنة والجماعة، الظاهرون المنصورون إلى قرب قيام الساعة، الموصوفون والمبشرون والمبشر بهم في وجيز وبليغ خطابه بأنهم من كان على مثل ما هو عليه وأصحابه.
وهكذا كل من جاء بعد التابعين وأتباعهم متبعاً بهم في المنهاج من غير غلو ولا جفاء ولا اعوجاج، كالأئمة الأربعة وابن المبارك والسفيانين وأقرانهم وتلامذتهم ومعاصريهم، ممن اقتفى آثار الصحابة والتابعين وتابعيهم محسنين في العلم والقول والاعتقاد والحال، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفاً عن سلف بالرضا والقبول فهو من التابعين بإحسان واللاحقين بالأميين في محكم القرآن، المشاركين للمهاجرين والأنصار في الإيمان والغفران والرضوان والجنان، فهو من السلف الصالح الذين أجمعت الأمة على هدايتهم ودرايتهم، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولي المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة.

لهؤلاء السلف الصالح أصول في العلم والاعتقاد، والقول والعمل والتعامل، والتغيير والموقف من البدع وأهل الأهواء، مستمدة من كتاب الله تعالى، وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين، وما عليه الصحابة المهديون، فمن تلك الأصول:
أولاً: تعظيم كلام الله تعالى الذي هو أصدق الحديث، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو خير الهدي، وقال فيه ربه تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3،4]، بحيث لا يتعارضان ولا يقدم عليهما كلام أي أحد ولا رأيه، عملاً بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات: 1]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي))، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [النساء: 66-68]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، فالكتاب والسنة براهين الحق، ومعايير الصدق، ودلائل الهدى، ونذر من الغي والردى، فمن تعظيمهما التحاكم إليهما والاهتداء بهداهما، وأن لا يعرض عنهما، وأن لا يحاكما بآراء الناس وأهوائهم ومخترعاتهم واستحساناتهم.
وأما ثاني تلك الأصول فهو: الإيمان بكل ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، والآثار الثابتة عن السلف الصالح من الأمة، تفصيلاً فيما فصل، وإجمالاً فيما أجمل، والإيمان به كما جاء ورد علمه إلى الله تعالى، عملاً بقوله سبحانه: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، وقوله سبحانه: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، قال الإمام أحمد رحمه الله: ((ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له))، فأخبارهما صدق، وأحكامهما حق، وإرشاداتهما هدى، وهما دلائل السعادة في العاجلة والآجلة، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ [النساء: 26]، وقال تعالى: ﴿ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].



معشر المؤمنين:

وأما الأصل الثالث: فهو الإجماع على الاستدلال بالكتاب والسنة الصحيحة في كافة أمورهم، في جميع أمور الاعتقاد، والقول والعمل والأخلاق، والرد على المخالف في شيء من أصول ذلك أو فروعه، وذلك باعتبار ذلك وحي منزل من الله عز وجل، فإن نصوص الكتاب والسنة براهين حق، وأدلة صدق، ومعصومة من أن تدل على باطل وهي موافقة لما فطرت عليه النفوس من الإيمان بالمشاهد المحسوس، فهي أقوى في الحجة وأبلغ في الأثر، ومشتملة على الإرشاد والدعوة بالتي هي أحسن، وفيها تقرير الحجج الصحيحة، وإبطال الشبه الفاسدة، ومجادلة المعاندين، بما يشفي ويكفي، وبناء العقائد الصحيحة، وهدم العقائد الفاسدة، والإلزام بالأحكام، وغرس محاسن الأخلاق وهدم مساوئها، ولجزمهم بأن كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وكل ما خالفه، وعارضه فهو باطل محض، وأن هذا الدين مكمل ومبلغ ومبين كله أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، قال شيخ الإسلام: ((إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين، أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصول هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً)) [مجموع الفتاوى: 19 / 155]، ويقول: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على كل ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر)) [العقل والنقل: 1 / 73].

ولذلك اعتنى السلف الصالح بنصوص الكتاب والسنة حفظاً، ودراسة، وفهماً، وعملاً، وميزوا صحيح الحديث من سقيمه، وعنوا بتحقيق دلالته وفق منهج علمي قل وجود نظير له في العلوم الأخرى، وردوا ما تنازعوا فيه إليهما، وصدروا عنهما، ولم يقدموا عليهما شيئاً سواهما، وراعوا ألفاظ والنصوص ودلالاتها، وجمعوا بينهما، ولم يعارضوا بعضهما بالآخر، وما علموا به قالوا به، ومال يعلموا وكلوا علمه إلى عالمه.

أمة الإيمان:

وأما الأصل الرابع من أصول السلف فهو: توحيد الله في أسمائه وصفاته، وذلك أن السلف الصالح يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة، ويعرفون ربهم عز وجل بأسمائه وصفاته، وأفعاله وأفضاله، التي أفصح عنها وحيه وتنزيله، وبلغها وبينها رسوله على ما وردت به الأخبار الصحاح، وتناقلتها العدول الأثبات، أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويثبتون لله تعالى من أسمائه وصفاته ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وينزهونه عن النقائص والعيوب، من غير غلو بالتمثيل، ولا جفاء بالتعطيل، بل يؤمنون أنه تعالى كما أخبر عن نفسه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، فلا يمثلون الله تعالى بخلقه، ولا يعطلونه من وصف من أوصافه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ولا يردون ما جاء عن الله ورسوله، لتوقف عقل فيه، أو لمخالفته لهوى، أو لشناعة مشنع من ملحد أو منافق أو مبتدع أو مفتون بهوى.



الأصل توحيد الله في إلهيته وعبادته، وهو اعتقاد أن الله تبارك وتعالى كما تفرد بالخلق والملك والتدبير، وبحسن الأسماء فلا سمي له وله المثل الأعلى في الصفات فلا مثل له ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، ومنفرد بكمال الأفعال فلا تضرب له الأمثال، فهو كذلك منفرد في الإلهية، واستحقاق العبادة من المكلفين من خلقه، فلا إله غيره، ولا معبود بحق سواه، ولا يعبد سبحانه إلا بما شرع، فيجب إفراده سبحانه بالإلهية والعبادة، أي بكمال الحب والذل مع كمال التعظيم والخوف، فيفرد بكل ما يحسبه ويرضاه مما شرع من أنواع العبادة، كالدعاء والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والركوع والسجود والخضوع والذبح والنذر وسائر أنواع العبادة، فيوحد بأن يعبد بما شرع، ويجل سبحانه عن الشرك والبدع، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 2،3].



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 66-70].

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه، وأنزل له من الهدى والبيان، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، أحمده بأكمل وأجمل ما يحمده به خلقه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمداً رسوله وعبده، خاتم النبيين وسيد المرسلين وأكمل العابدين. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم إلى أن يأتي الله بأمره.

أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله وتعرفوا على ما عليه سلفكم الصالح من أصول الاعتقاد، وقواعد المنهاج، واعتنوا بمعرفة عقائد أهل السنة، والمصنفات في السنة، لتعلموا أصول السلف الصالح العملية الاعتقادية، والقولية والعملية والأخلاقية، مثل: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، لتعرفوا موافقي السلف في الاعتقاد من أهل عصركم، ممن خالفهم واتبع غير سبيل المؤمنين، ومن يضلل الله فما له من هاد، فإن أصول أهل السنة معالم منهاج، وعواصم من الميل والاعوجاج.

وإن من أصول أهل السنة الاسترشاد بفهم الصحابة والتابعين ومن التزم بمنهاجهم من علماء العصور بعدهم، فكانوا يدعون مخالفيهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة المفضلة، الذين هم خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولازموه، وحضروا التنزيل، وعلموا التأويل، وفهموا كلام الرسول، فتلقوا عنه، وسمعوا منه، ورأوا عمله، واقتدوا به، وما أشكل عليهم فهمه راجعوه فيه، وعملوا بحضرته، وزمن نزول الوحي عليه، فما أصابوا فيه أقروا عليه، وما أخطأوا فيه نبهوا عليه، وبين لهم وجه الصواب فيه، فحفظوا العلم وعلموا المراد، وحققوا العمل ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم على النحو الذي تلقوه به، فهم أعلم الأمة بمعاني كلام الله تعالى ومراده، وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وهكذا من شهد له بالفضل والإمامة في الدين من التابعين كانوا واسطة بين الصحابة وتابعي التابعين في فهم الدين والعمل به، ونقله على الوجه المرضي.

أيها المسلمون:

ومن أصول السلف الصالح: الحرص على الجماعة ووحدة الكلمة تحت الولاية الشرعية على الكتاب والسنة، بفهم الصحابة، وترك التفرق في الدين، وعلى الولاية والتحزب، فإن الاجتماع مطلب شرعي تواترت به النصوص، قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31،32]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((تلزم إمام المسلمين وجماعتهم))، وقال: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة))، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله عز وجل الذي أمر به))، وقالت أم سلمة رضي الله عنها بعد أن تلت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ [الأنعام: 159] الآية: ((ألا إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب)). وقال في العقيدة الطحاوية: ((ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً)).

معشر المسلمين:

ومن أصول السلف الصالح: التقرب إلى الله عز وجل بطاعة ولاة الأمور فيما لا معصية لله تعالى فيه، ولو مع الجور، فهذا أصل عظيم من أصول السلف الصالح، مقرر في جملة كتب السنة، ومردود بشأنه على كل من خالف من أهل البدعة، لقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((واسمع وأطع))، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من نزع يداً من طاعة فمات فميتته جاهلية))، قال سهل بن عبدالله التستري: ((لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم))، وقال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: ((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)).

معشر المسلمين:

ومن أصول السلف الصالح: استخدام الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي معالجة الأمور، وتحصيل المصالح ودرء المفاسد، والحكمة هي السداد والإصابة في الأقوال والأفعال، والرفق في غالب الأحوال، ووضع الشيء في موضعه اللائق به، وإتيان الأمر من وجهه مع الحذر من الجور ومجاوزة الشرع، قال تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269]، وقال سبحانه: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ [النحل: 125]، ومن ذلك استعمال الرفق في موضع الرفق، والشدة والغلظة في موضعهما، ومع من يستحقهما، على وفق السنة، وما أثر عن الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أعلم الأمة بهدي الكتاب، وتطبيقات السنة في الحوادث والأشخاص، مع التجرد والإخلاص لله تعالى، وتغليب جانب الرفق والتيسير في الأعم الأغلب من الأمور.

أيها المؤمنون:

من أصول السلف الصالح: اتخاذ الكتاب والسنة وعمل الصحابة ميزاناً لقبول أو رد أقوال الناس وأعمالهم واعتقاداتهم، وبها يحصل الفرقان بين الحق والباطل، فما وافقها قبل، وما خالفها رد، قال الإمام الأصبهاني: ((وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم له، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم)) [الحجة في بيان المحجة: 2/ 244]، وقال شيخ الإسلام: ((إن جعل القرآن إماماً يؤتم به في أصول الدين وفروعه هو دين الإسلام، وهو طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الهدى)) [13/ 135]، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ((عقيدتنا هي إتباع ما دل عليه الكتاب والسنة، وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق ذلك قبلناه، وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله)).. المصدر : شبكة الألوكة الإسلامية

اضافة تعليق