كيف كشف الخالق لرسوله حجاب الزمان والمكان؟.. "الشعراوي" يجيبك

الأربعاء، 13 نوفمبر 2019 03:05 م




"وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (هود: 123)

يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي:

أي: أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم، يخبركم به الله ـ سبحانه ـ من خلال ما يُنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

اظهار أخبار متعلقة


وقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يحفظ هذا الذِّكْر الحكيم، ثقة منه ـ سبحانه ـ أنه إذا أخبرنا في القرآن بخبر لم يجيء أوانه
وقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يحفظ هذا الذِّكْر الحكيم، ثقة منه ـ سبحانه ـ أنه إذا أخبرنا في القرآن بخبر لم يجيء أوانه
، فَلْنفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم بالكون وما يجري فيه، وبما له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر المُختار من الكائنات ـ مؤمنهم وكافرهم ـ فإذا حدثنا القرآن بشيء مما يغيب عن الإنسان، فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق.

وهناك الكثير مما يغيب عن الإنسان، وهناك حجاب بين وسائل إدراك الإنسان وبين بعض المُدْركات، ومرة يكون الحجاب حجابَ زمنٍ، فإذا أخبر الله ـ تعالى ـ عن أمر لم نشهده من قديم قد أَوْغَلَ في الزمن، ولم يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب ولم يسمعه من معلِّم؛ فهذا كَشْف لحجاب الماضي.

ولذلك فبعض سور القرآن الكريم يسميها العلماء " ماكُنات القرآن " مثل قوله الحق:
{  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }
[آل عمران: 44].

وغير ذلك من الآيات التي تبدأ بقوله الحق: { مَا كُنْتَ }.

وقد كان هناك أناس في ذلك الماضي يدركون ما صار غيباً عن الرسول ومَنْ معه؛ لكن الحق ـ سبحانه ـ أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى مُعلِّم بشهادة أعدائه
لكن الحق ـ سبحانه ـ أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى مُعلِّم بشهادة أعدائه
، وكذلك كشف الحق ـ سبحانه ـ لرسوله حجاب الزمان وحجاب المكان.

ومَنْ ينكشف له حجاب الزمان وحجاب المكان؛ إنما ينكشف له حجاب المستقبل أيضاً، والذي كشف هذا هو الحق ـ سبحانه ـ الذي قدَّر مجيء هذا العالم، وما سوف يحدث فيه إلى أن تقوم الساعة.

وقد طمر الحق ـ سبحانه ـ في القرآن أموراً لو كُشف عنها في زمن بَعْثة الرسول؛ لكان الحديث عنها فوق مستوى العقول والإدراك؛ وتحدث ـ سبحانه ـ عن وقائع مستقبلية بالنسبة للمعاصرين لرسول الله صلى عليه وسلم؛ لم يكن أحد يتوقعها.

وكانت هناك معركة بين أرقى حضارتين معاصرتين للإسلام؛ حضارة فارس وحضارة الروم، وكانت الحضارتان تتنازعان السيطرة وتوسيع مناطق النفوذ. وهَزَمَتْ فارس ـ التي لا تؤمن بإله ـ امبراطورية الروم التي تعتنق المسيحية، ولا تؤمن برسالة محمد الخاتمة.

لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهزيمة الذين يؤمنون بإله في السماء؛ فَيُسرِّي الله ـ سبحانه ـ الأمر على رسوله، ويُنزِل الحق ـ سبحانه ـ قرآناً يُتلَى على مَرِّ العصور وكل الأزمان؛ يحمل نبوءة انتصار الروم بعد هزيمتهم من الفرس.ويقول سبحانه:

{  الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }
[الروم: 1ـ5].

هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر الروم في بضع سنين؛ و " البِضْع " يقصد به من ثلاث لتسع سنوات.
هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر الروم في بضع سنين؛ و " البِضْع " يقصد به من ثلاث لتسع سنوات.

وإنْ قيل: تلك نبوءة محمد، نقول: ما عِلْم محمد بأخبار المعسكرين ولا بأسرار السياسة الداخلية لهما؟

وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن، وكان هذا هَتْكا للحجب، حجاب الزمان، وحجاب المكان، وحجاب الناس، وأوحى به الحق سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم.

والغيب المطلق هو الذي لا يعرفه إلا الحق ـ تبارك وتعالى ـ وليس له مقدمات، ويكشفه الله لمن يرتضيه، مصداقاً لقوله ـ سبحانه:
{  عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ }
[الجن: 26ـ27].

وهذا الغيب المطلق يختلف عن الغيب المقيّد الذي له مقدمات؛ ما إن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سرٍّ من أسرار الكون.

والحق ـ سبحانه ـ هو القائل:

{  مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ }
[البقرة: 255].

وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه؛ وجعل الله ـ تعالى لكل مستور منها ميلاداً، فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلاد؛ والكهرباء كان لها ميلاد؛ واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد، وكل مُكْتَشف ومُخْتَرع له ميلاد، وتتوالى مواليد الغيب مستقبلاً، وفي ميلادها إيمان اليقين بمن أخفاه وأظهره، وهو الله الحكيم.



اضافة تعليق