د. عمرو خالد يكتب: في ذكرى مولده: كيف نستلهم أخلاق النبي في حياتنا؟

الأحد، 10 نوفمبر 2019 03:49 م
اسليدر-د-عمرو

ما من مسلم إلا ويتمنى أن يتخلق بأخلاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ويسير على خطاه في الحياة، وهو الذي يمثل النموذج الأعظم للبشرية، الذي جاء مبشرًا لا منفرًا، حاملاً رسالة الهدى إلى الناس أجمعين، ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.


وما أحوج البشرية إلى أن تنهل من خلقه الكريم الذي أثنى عليه ربه في قرآن يتلى إلى يوم الدين: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، حتى تستعيد روحها وإنسانيتها وأن تمحو صورته القبيحة عنها التي شوهها القتل والدمار في كل مكان.

 

اظهار أخبار متعلقة


وحتى يتحقق ذلك فلا بد من إعادة النظر إلى سيرته العطرة من الجانب الأخلاقي والإنساني

وحتى يتحقق ذلك فلا بد من إعادة النظر إلى سيرته العطرة من الجانب الأخلاقي والإنساني
، بعد أن تعرضت للتشويه خلال المائة سنة الأخيرة، حين قدمت للناس على أنها سيرة تنظيمية عسكرية حربية سرية، وتم اختزالها في غزوات، بدر، أحد، الخندق، خيبر، فتح مكة، وفاة النبي.

 

هذا التصور الخاطئ في فهم السيرة خلق فجوة بينها وبين الناس، فلا يجد فيها الشباب نفسه، وخلت من معنى الرحمة للعالمين، وهي الهدف الأسمى من رسالته صلى الله عليه وسلم.

 

فما لا يعلمه البعض أن عدد الغزوات التي خاضها المسلمون في حياة النبي منذ هاجر إلى المدينة بلغ سبعًا وعشرين غزوة، لم تستغرق جميعها أكثر من 540 يومًا، يعني أقل من سنتين انشغل خلالها المسلمون بالحروب، وأكثر من ثماني سنوات كان التركيز خلالها على الحياة، بناء إنسان، بناء حضارة، فضلاً عن الفترة التي أمضاها في مكة في نشر دعوة الإسلام.

 

هذا يعني أن الحروب استغرقت 7% فقط من حياة النبي، لذا فالتعامل مع السيرة على أنها حروب فقط، هو تحريف لها،

هذا يعني أن الحروب استغرقت 7% فقط من حياة النبي، لذا فالتعامل مع السيرة على أنها حروب فقط، هو تحريف لها،
ومن ينظر إليها وفق هذا المنظور، فهو يبرر الحرب والصراع تحت اسم النبي، إذ يجب نعلم أن السيرة ليست صراعًا، وإنما هي حياة نتعلم منها حتى اليوم الحب.. الرحمة.. الإبداع.. القيم.. الأخلاق.. النجاح.. السعادة.. الحياة الجميلة.

 

في سيرة النبي ستجد كل احتياجاتك، لن تجد نبيًا ولا مصلحًا حياته غنية بكل احتياجات الحياة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك من أسمائه في كتب السنة "الجامع"، لأنه الجامع لاحتياجات الإنسانية، وينبغي علينا أن نقتدي أثره في وفائه ورحمته وعفوه وأخلاقه.

 

قبل عامين من الآن، كنت في رحلة إلى ألمانيا، وهناك قابلت أكاديميًا ألمانيًا متخصصًا في مقارنة الأديان في أحد المؤتمرات، وأخبرني أنه يريد يعيش بقية حياته بطريقة النبي محمد في الحياة (السُّنة)، فقد وجدت أن أفضل طريقة للحياة هي محمد "لايف ستايل".

 

ومما قاله تأثرًا وإعجابًا بحياة النبي أنه في الأكل: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.."، في الإتيكيت: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، معاملة المرأة:" "أفضل الصدقة لقمة تضعها في فم زوجتك.."، في الإبداع.. كل الحلول لدى النبي مبدعة من خارج الصندوق.

 

نتيجة لذلك، بدأ الأكاديمي الألماني يفكر.. مثله: في التسامح، لم يكن يتذكر شيئًا سيئًا لأحد، أو يذكّره بما كان يصنعه معه، فقد فهم معنى "السيرة حياة" وهي أنها طريقة صحيحة نعيش بها في الحياة، بينما نحن اختزلناها في التدين الشكلي الذي يقوم على المظهر ويخلو من الجوهر في فهم حقيقة الإسلام.

 

هذا لا يعني أن نعيش حياة النبي في عصره، دون أن نراعي التطورات المذهلة التي شهدها الكون، فهناك اختلاف في الزمان، واختلاف في البيئة

هذا لا يعني أن نعيش حياة النبي في عصره، دون أن نراعي التطورات المذهلة التي شهدها الكون، فهناك اختلاف في الزمان، واختلاف في البيئة
، لكن هناك من فهم الأمر على أن الحياة تجمدت عند عصر النبي، فنلبس مثلما كان يلبس، ونركب مثلما كان يركب، دون أي تغيير، حتى لا نكون أصحاب بدعة.. كيف لمن فهم أن النبي رحمة للعالمين، أن يوقف الزمن عنده؟، فالمعنى أنه مستمر لكل زمان ومكان.

 

بينما هناك فريق آخر يرى في المقابل أن حياة النبي التي مضى عليها أكثر من 1400 سنة لا تصلح لهذا الزمن، على الرغم من أنه نفسه يعيش بأفكار ارسطو وسقراط، وهما من قبل الميلاد، إذن ما الحل: أن نعيش حياة النبي (طريقة حياته.. أخلاقه وأفعاله) وليس عصر النبي (الزمن الذي كان يعيش فيه).

 

النبي كان حنونًا رقيقًا.. حضن ابن عباس وهو ابن 12 سنة، ودعا له في أذنه: اللهم فقهه في الدين.. فما نسي ذلك الموقف أبدًا في حياته، حتى صار أعلم المسلمين.

 

كان متواضعًا أشد التواضع: "إن الله خيرني بين أكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فاخترت أن أكون عبدًا نبيًا"، كان يحب البنات، وكانت كل ذريته التي عاشت من النساء، كان شجاعًا، عاشقًا للإسلام.. "يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته".

 

كان يجبر بخاطر الناس، ويتفقد أحوالهم، ويسألهم عن أحوالهم الشخصية عناية منه ورعاية لهم

كان يجبر بخاطر الناس، ويتفقد أحوالهم، ويسألهم عن أحوالهم الشخصية عناية منه ورعاية لهم
، حتى إنه ذات يوم سأل صحابيًا يدعى "جليبيب": هل تزوجت يا جليبيب؟ فرد قائلًا: ومن يزوجني يا رسول الله وأنا فقير دميم؟ فقال له النبي: أنا أزوجك، فتوسط له النبي صلى الله عليه وسلم كي يزوجه ويرفع قدره ويجبر بخاطره.

 

فقد كان "جليبيب" شابًا بسيطًا، وقد اصطحبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت العروس، لكن أباها لم يعجبه جليبيب، فقال: دعني افكر يا رسول الله، فقالت ابنته بعدما خرجا: أيأتيكم رسول الله وتردوه؟ ما أتى به النبي إلا وفيه خير. فقالوا: نذهب إليه غدًا ونبلغه.

 

إلا أن اليوم التالي كان موعد "جليبيب" مع الشهادة، فقد خاض معركة مع المسلمين في اليوم التالي، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بعد المعركة عمن يفتقدون (أي من مات) فعددوا له من استشهدوا، ولم يذكروا جليبيب، فقال لهم النبي ولكني أفتقد جليبيب، وأمرهم أن يبحثوا عنه، فوجدوه شهيدًا، وقد حفر له النبي قبره بنفسه.

 

كما تفقد النبي بنفسه إحدى النساء التي كانت تقوم على تنظيف المسجد بنفسها، عندما افتقدها فسأل أصحابه عنها، فقالوا له أنها قد ماتت، فغضب لأن أحدًا لم يبلغه، ثم ذهب إلى قبرها ودعا لها وقال لهم: أما علمتم أن صلاتي عليها ودعائي لها نور لها في قبرها؟.

 

بكى رسول الله يومًا، فقالوا: ما يبكيك يا رسول اللّه؟ قال: اشتقت لأحبابي قالوا: أو لسنا أحبابك يا رسول الله؟ قال: لا أنتم أصحابي، أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني".. صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله.


اضافة تعليق