"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ".. لماذا الموبقة الرابعة أكبر من الزنا والسرقة؟

الجمعة، 08 نوفمبر 2019 03:06 م
الربا إخلال بمبدأ الميزان


من السبع الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم أكل الربا، والذي اعتبره بعض العلماء أنه أكبر جرمًا من الزنا والسرقة وكثير من الذنوب التي لعن صاحبها في الكتاب والسنة، واستدلوا بأن الله عز وجل لن يعلن الحرب على مرتكب أي كبيرة صراحة إلا على آكل الربا.

فقال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } (سورة   البقرة: 278-279).


ووصف الله سبحانه وتعالى من يأكل الربا وحاله يوم القيامة { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (سورة البقرة: 275)، بما يعني أنهم سيبعثون من قبورهم كالمجانين من شدة الفزع والهلع بطونهم أمامهم كأنها جبل أحد كما جاء في بعض الأخبار.

ما هو الربا؟

المرابي هو الذي يقرض غيره مبلغاً من المال بزيادة يدفعها المقترض في نظير الأجل مع أن هذا هو الخسران المبين فلا يلبث المرابي أن يفتقر ويذهب ماله بطريقة أو بأخرى، وإن ظل محتفظاً بالمال فإنه لا ينتفع به أبداً، ولا ينتفع به ورثته من بعده.المرابي هو الذي يقرض غيره مبلغاً من المال بزيادة يدفعها المقترض في نظير الأجل

المرابي هو الذي يقرض غيره مبلغاً من المال بزيادة يدفعها المقترض في نظير الأجل


ولو كان عاقلاً لعرف أن الخير كل الخير في القرض الحسن، فهو صدقة من أعظم الصدقات التي تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى، وهو ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة بخلاف الربا فإنه نفيضه تماماً.

يقول الله عز وجل: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } (سورة البقرة: 276).


من هنا فقد حرم الله الربا، وشدد النكير على آكله. وموكله وكل من تسبب فيه؛ لما فيه من استغلال فاحش لذوي الحاجات الذين يجب على أصحاب القلوب الرحيمة إعانتهم، وتنفيث كرباتهم، وقضاء حوائجهم، من غير من ولا أذى، ولما فيه – أيضاً – من قطع لما أمر الله أن يوصل، فأولوا الأرحام لهم حقوق أدناها قضاء حوائجهم بقدر الطاقة والوسع، وللفقراء والمساكين حقوق أدناها سد عوزهم وستر عوراتهم وإشباع بطونهم، وللمسلم بوجه عام على أخيه المسلم حقوق أدناها أن يكون رحيماً به عطوفاً عليه، محسناً إليه، ولو بالقليل من ماله وجهده.

كما أن الربا تعطيل للمال الذي ينبغي أن يستغل في رفع الإنتاج، وتشغيل العاملين وهو ربح بلا مقابل، وبلا مبرر يقتضيه.

ونبه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة أكل الربا وعاقبة المرابين وبشاعة ما هم عليه في قبورهم فقص على أصحابه رؤيا طويلة في منامه، "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى شطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ: مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ؟ قَالَا: آكِلُ الرِّبَا".نبه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة أكل الربا وعاقبة المرابين وبشاعة ما هم عليه في قبورهم

نبه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة أكل الربا وعاقبة المرابين وبشاعة ما هم عليه في قبورهم




ولَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُم سواء.

ويهلك الله الربا ما يأتي منه، فيستأصل الأصل والزائد عليه، ويهلك المرابين في الدنيا والآخرة، ويمحق البركة من أرزاقهم وأعمارهم.

وقد عرض الله بالمرابين في قوله: { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }، إذ المرابي شديد الكفر بالنعمة؛ لأنه بخل بحق الله فيها واستعملها في غير وجهها، وقسا على من يستحقون الرحمة والعطف، وأشتد طلبه للدنيا حتى نسى الآخرة تماماً، فأحل نفسه بحماقته وكفره دار البوار.

عقوبة المرابين

جعل الله عقوبة المرابين في الدنيا والأخرة، فالمرابي من أسوأ الناس حالاً، وأتعسهم حظاً، وأخبثهم طبعاً ووضعاً في الدنيا، وأسوأهم مآلاً في الآخرة، فهو يعيش في الدنيا ذليلاً كئيباً يبغضه من يعرفه ومن لا يعرفه من الناس، ويلعنه أهل السماء وأهل الأرض، ويعيش فقيراً مهما كثر ماله، ويموت على سوء الخاتمة، والعياذ بالله تعالى، وتعلوه قترة يعرف بها.


وتعرف حال المرابي في الدنيا من التعاسة التي يرسمها الله على وجهه والمرض الذي يبتلى به، ومن نظراته وحركاته، إذ يتصرف كالمجنون.

 وقد حرم الله الربا في كافة الشرائع السماوية كما دلت على ذلك نصوص كثيرة في التوراة والإنجيل، كما جاء تحريمه في القرآن في قوله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا  وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } (سورة النساء: 160-161).

 وقد رأى كثير من الفقهاء أن الربا لم يحرم صراحة إلا بعد أن نفر الله منه عباده، ونعى على آخذيه وآكليه، لما حرمه صراحة حرم كثيره أولاً، ثم حرمه كله قليله وكثيره، فقال جل وعلا أولاً: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } (سورة الروم: 39).



ثم قال: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } إلى قوله: { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ }.

ثم قال جل شأنه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } (سورة آل عمران: 130).

ثم قال عز من قائل: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } إلى قوله جل وعلا: { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } (سورة البقرة: 275-279).

فالعرب في الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا، وكان عندهم بمنزلة البيع، وكانت أكثر أموالهم منه، فلو حرمه عليهم دفعة واحدة، لشق الأمر عليهم، ونفروا من ذلك، أو وجدوا في الامتناع عنه مشقة بالغة وحرجاً شديداً، فكان من رحمة الله تعالى أن نفرهم منه أولاً، وهيأ نفوسهم لرفض التعامل به بعد ذلك".
{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ }


وكانت أحكام الربا آخر ما نزل من القرآن الكريم وهو من أواخر التحذيرات النبوية، فقد حذر منه النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تحذيراً شديداً في حجة الوداع، وقال إن أموالكم حرام عليكم.

اظهار أخبار متعلقة



اضافة تعليق