أخطر ما يدفع الإنسان للتهلكة.. هل أصبحت الثوابت مطية الباحثين عن الشهرة؟

الأربعاء، 06 نوفمبر 2019 11:47 ص
11201814211129421402007



حب الظهور والشهرة من أخطر الأمراض النفسية التي تهدد الإنسان وعقيدته، لاسيما أن هذا المرض يتحكم في انفعالات الإنسان ودوافعه، للحد الذي يمسي ويصبح معه شيطانه، متحكمًا في كل تصرفاته، حتى يلجأ إلى بعض الوسائل غير الأخلاقية، من أجل الحصول ردود أفعال واسعة ينال منها شهرته.

وتنقسم الوسائل التي يعمل من خلالها الإنسان إلى شهرته إلى وسائل إيجابية، وهي التي يعمل من خلالها بالشكل المعتاد من العمل والجد والاجتهاد والتفوق، حتى يرتفع إلى القمة وعالم الشهرة.

اظهار أخبار متعلقة


إلا أن الوسائل الأخطر هي الوسائل السلبية، والتي يلجأ فيها صاحبها للشذوذ الفكري والأخلاقي لنيل الشهرة السريعة
إلا أن الوسائل الأخطر هي الوسائل السلبية، والتي يلجأ فيها صاحبها للشذوذ الفكري والأخلاقي لنيل الشهرة السريعة
، وهي من أخطر الطرق التي تودي بصاحبها للهلاك المؤكد، خاصة وأن الله قد ضرب مثلا على مبتكر هذا الطريق وهو الشيطان حينما أصابه الكبر والغرور ورفض أن يسجد لآدم.


فكانت هذه الشهوة المجنونة، هي التي أخرجت إبليس من الجنة، لأنه رأى نفسه أهم وأفضل من آدم، فأخرجه الله عز وجل من رحمته إلى يوم الدين، قال تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ».

هذا المسلك الذي سلكه الشيطان، سلكه من بعده الكثير من الناس بداعي الكبر، فبحثوا عن بعض الوسائل التي تدفعهم للظهور والشهرة، استجابة لنزواتهم ورغباتهم في تلبية الغريزة الشيطانية التي تحركهم وهي "الكبر"، فابتكر بعضهم الكثير من الحيل التي تلبي غرائزهم، ومن بينها التشكيك في الثوابت، والطعن في القرآن والسنة، بزعم النقد، والإساءة للكثير من الصحابة والعلماء التي يرتبط بهم وجدان الأمة الإسلامية.


وعلى هذا المنحى نحا الكثير من المتربصين بثوابت المسلمين، حتى أصبحت هذه الثوابت العقدية، هي الطريق السهل لكل من أراد أن يسترضي أعداء الدين
وعلى هذا المنحى نحا الكثير من المتربصين بثوابت المسلمين، حتى أصبحت هذه الثوابت العقدية، هي الطريق السهل لكل من أراد أن يسترضي أعداء الدين
، في الحصول على الدعم المالي والمعنوي والإعلامي، فنصبوا من الجهلاء أعلاما مزيفة باسم النقد والتحليل، بالرغم من عدم تخصص هؤلاء المدعين في أي من مجالات العلم التي يخوضون فيها بغير هدى ولا كتاب منير.



كيف عالج الإسلام هذا المرض؟

تعرض الإسلام في بداية الدعوة النبوية، لهذه القضية، من خلال القصة التي وردت في القرآن، وهي قصة إبليس التي تناولناها، بقوله تعالى: " «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ».

وحذر الإسلام من الاغترار بالدُّنيا السعيُ خلف الشُّهرة وبريقها، فكثيرٌ من الناس تَتُوق نفسه إلى أن يُشار إليه بالبنان أو أن يكون هو حديثَ المَجالس، أو أن يُسمع قولُه، أو يُكتب؛ لذا قد يَسعى بعضُهم بكلِّ سبيلٍ إلى تحقيق ذلك، ولو على حساب مُخالفة الدِّين والأخلاق؛ إذْ مِن خصائص الشهرة أنَّها تَؤُزُّ المرء إلى المغامرة أزًّا، ويُدَعَّى إلى تبرير كلِّ وسيلةٍ موصِّلة إليها دعًّا، وهنا مَكْمَن الخطر، ومحمل الشَّوك الذي لا ينتقش.


ووصف القرآن الكريم الباحثين عن الشهرة السريعة، من أجل تلبية غريزة الكبر، فقال تعالى في سورة التوبة: " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109).

وأمر الله سبحانه وتعالى لعلاج هذا المرض بأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى
وأمر الله سبحانه وتعالى لعلاج هذا المرض بأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى
: "فقال تعالى معلِّمًا نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]؛ "أي: إنَّ كل أعمالي ومَقاصدي محصورةٌ في طاعة الله ورِضْوانه، وعلى المسلم أن يكون قصدُه وعمله وكلُّ ما يقدِّمه من عملٍ هو وجه الله تعالى، سواءٌ في أثناء حياته، أو ما يعقبه من عملٍ صالح بعد مماته، هو للهِ، وإلى الله، وفي سبيل الله، ولطاعة الله تعالى، فإذا كان لله لم يَبقَ فيه نصيبٌ لغير الله".

 وحذَّر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من سوء الأخلاق التي يكون عمَلُها وسعْيُها وقولُها لغير الله، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أوَّل النَّاس يُقضَى يوم القيامة عليه: رجلٌ استُشهِد، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمه فعرَفها، قال: فما عَمِلتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتَّى استُشهدت، قال: كذبتَ ولكنَّك قاتلتَ لأنْ يُقال: جريءٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِر به فسُحِب على وجهه حتَّى أُلقِيَ في النَّار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتِي به فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمت العلم؛ لِيُقال: عالِمٌ، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثمَّ أمر به، فسُحِب على وجهه حتَّى ألقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتِي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن ينفق فيها إلاَّ أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنَّك فعلتَ لِيُقال: هو جوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِر به، فسُحب على وجهه، ثمَّ ألقي في النَّار)).

 فالشَّهادة، أو تعليم العلم، أو الإنفاق في سبيل الله من أعظم الأعمال في ميزان الإسلام، ولكن أصحابها أحبَطوا ثوابَ عمَلِهم بسبب طلب الشُّهرة بين النَّاس، وحب الظُّهور الذي يَقْصِم الظُّهور، فكانوا أوَّل من تُسعَّرُ بهم جهنَّم، فهم حطَبُها الأوَّل؛ لأنَّهم أرادوا أن يَكونوا أوَّلَ الناس، وعلى رأسهم، فعاقبَهم الله بمِثْل قصدِهم، والجزاء من جنس العمل، ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46].

وقال النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من لَبِس ثوب شُهرة ألبسَه الله يوم القيامة ثَوْب مَذَلَّة)).



لذلك انعكس تحذير النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، فكانوا يفرون من الشُّهرة وعدم الإخلاص لله في الأقوال والأفعال
لذلك انعكس تحذير النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، فكانوا يفرون من الشُّهرة وعدم الإخلاص لله في الأقوال والأفعال
، كما تفرُّ الفريسةُ من الأسد؛ فهذا بُريدة بن الحصيب يقول: "شهدتُ خيبر، وكنت فيمن صعد الثُّلْمة، فقاتلتُ حتَّى رُئِي مكاني، وعليَّ ثوبٌ أحمر، فما أعلم أنِّي ركبتُ في الإسلام ذنبًا أعظم عليَّ منه"؛ أيِ: الشُّهرة.

وكان أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح لَمَّا ذهبَ مَددًا إلى عمرو بن العاص في غزوة ذات السَّلاسل قال عمرٌو لأبي عبيدة، والنَّفَر الذين معه: أنا أميرُكم، وأنا أرسلتُ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أستمدُّه بكم، فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابِك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرٌو: إنما أنتم مدد أمددته، فما كان من أبي عبيدة في هذا الموقف إلاَّ أن أخلَص لله، وترك الشُّهرة وراءَه ظِهريًّا، وقال: والله يا عمرو، إنَّك إن عصيتني لأُطِيعنَّك، وسلَّم إليه الإمارة.



 وعلى هذه الأخلاق صنع خالد بن الوليد عندما أمَرَه عمرُ بن الخطَّاب الخليفةُ أن يَترك قيادة الجيش لأبي عبيدةَ بن الجرَّاح، قال: سمعًا وطاعةً لأمير المؤمنين، وهذا موقفٌ والله يُحسَد عليه، ولو تعرَّض له أحَدُ القُوَّاد في هذا العصر، وبِشُهرة سيف الله المسلول، لمَا تركَ قيادة الجيش، ولما ترك هذه الشُّهرة، بل انقلبَ على أميره وحاربَه، ولكنَّه أبو سليمان؛ الإخلاص لله ولدينه، والفرارُ من الشُّهرةِ وحبِّ الظهور.

اضافة تعليق