خطبة الجمعة.. الرسول الإنسان .. كيف نحبه

الخميس، 31 أكتوبر 2019 10:00 م
رحمة للعالمين.. حفيدة للرسول كان يحملها على عنقه في الصلاة

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله، وبعد: فلقد امتنّ الله تعالى على هذه الدنيا بنور أضاءها بعد ظلمة، وَمَنَّ على أهلها بهداية بعد طول ضلال؛ حيث أرسل رسوله الخاتم نورا ورحمة وهدى للعالمين..
*محمد: كلمة السـرّ في النجاة..
*الإسلام: رسالة النجاة للبشـرية كلها..
*القرآن: دستور الهداية ووسيلة الرشاد..
ولا شكّ أنّ كل مسلم إذا حدّثته عن رسول الله e أخبرك أنه يحبه بكل تأكيد، غير أنّه بتتبّع دليل تلك المحبة وتلك الدعوى تكتشف أنها محبة ناقصة في حق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم.. ولذا يأتي حديثنا اليوم حول أسباب محبة الرسول، وكيف نحبه على وجه الحقيقة، ولا نكتفي بالادِّعاء اللساني؟
فليس أسهل من ادِّعاء المحبّة لأيّ إنسان، بل ليس أسهل من ادّعاء محبة الخالق، والمحبّ الحقيقي هو الذي يبرهن على دعواه بالأدلة والبينات.. فتعالْوا بنا لنتعرّف على طرق وأدلة المحبة الحقيقية لرسول الله الحبيب.. وذاك شرف لنا جميعا، أن نكون في صحبته وندندن حول سيرته وشمائله، فلله الحمد والمِنّة..

أولا: لماذا نحب رسول الله؟
ومن بين أسباب محبتنا للرسول ما يأتي:
لأنه هدية الله تعالى إلينا ونور من الله نستضيئ به في دياجير الدنيا وهمومها، وهل يُعقل ألا نحب ونعشق من أهداه الله إلينا؛ لإخراجنا من الظلمات إلى النور؟ قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]قال الزجاج وقال قتادة: (النورُ محمد صلى الله عليه وسلم)، فلولاه ما عرفنا طريق الخير فسلكناه وطريق الشـر فاجتنبناه، ولولاه ما عرفنا الحق من الباطل..فهو منّة الله علينا وهديّته التي فاقت كل جمال في الخِلْقة والخُلُق، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).وكم أتأمل وأتساءل: ماذا يحدث يا تُرَى لو لم نكن من أمّته، أو لم نكن من أتباعه، أو لم يُكرمنا الله بشرف الانتساب إليه وإلى دينه؟ أين كنا سنكون؟ فاحمد الله على الهداية، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

كانت حياته صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا للإسلام

كانت حياته صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا للإسلام

نحبه لأنه يحبنا ويشتاق للقائنا، ومن العيب ألا نحب من يحبّنا ويتمنّى لقاءنا؛ ففي الحديث: عند مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبرَةَ -قيل مقبرة شهداء أُحُد-، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا" فانظر كيف أنه يحبنا، فلم لا نحبه ؟
واسمع إن شئت لما رواه البخاري في صحيحه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)) فمن أراد الحوض فليحبّه ويبحث عن عمّا يجعله في رفقته يوم الحوْض، رزقنا الله وإياكم شربةً هنيئة من يده لا نظمأ بعدها أبدًا..شملت سيرت العطرة كل نواحي الحياة دنيا ودين
شملت سيرت العطرة كل نواحي الحياة دنيا ودين

شفقته علينا وخوفه من عذابنا؛ وأبدأ بمشهد من شفقته على أمّته في يوم القيامة؛ فقد ورد عند مسلم في صحيحه -وعند غيره- عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: "يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ"، كما أنه يطلب أن يشفّع في أمّته يوم القيامة شفقة عليهم..
ومن شفقته في الحياة الدنيا أنه يحبّ العاصي من أمّته ويُشفق عليه ويستر عليه ويتمنى له التوبة، كما أنه تمنّى الهداية لمن ضربوه وآذوه، كما فعل في قوله لملك الجبال يوم الطائف حين عَرَض عليه أن يطبق عليهم الجبال، فرفض الرسول قائلاً: (لا؛ فإني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ويوَحِّده)، ودعا: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). لم يترك خيرا إلا دلنا عليه ولا شرا إلا حذرنا منه
لم يترك خيرا إلا دلنا عليه ولا شرا إلا حذرنا منه

لأنّ محبته ترتبط بمحبة الله تعالى؛ قال تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]والعجيب أنه لم يأتي ذكر محبة الرسول منفردة في القرآن؛ بل تأتي وقد ارتبطت بمحبة الله تعالى؛ فمحبة الرسول من محبة الله ،وواضح من الآية أنها نداء إلى عموم المسلمين بأنه لا بد من تقديم محبة الله ومحبة رسوله على كل المحبوبات. كما أنّ طاعته من طاعة ربه، قال تعالى: [من يطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله]..
جهده الدؤوب لإبعادنا عن الناروالعذاب؛ ففي صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:«مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا» ولم لا نحبه وهو يباهي بنا الأمم كلها، ويقول عنا أننا حظه من الأمم، وهو حظنا من الأنبياء.
كذلك نحبه لجهده الذي بذل من أجل الإسلام، ومن أجل نجاتنا من الكفر؛ لنكون مسلمين لله تعالى بهذا الدين العظيم، حوصر من أجلنا في شِعب أبي طالب، عُذّب من أجل إيصال الإسلام لنا شافيا، طُرِدَ من بلده من أجل دعوتنا، شُج رأسه وكان أن يُقتل في غزوة أُحد وصبر من أجل إيصال الإسلام لنا.. فلم لا نحبه وهو الذي ضحّى بالكثير والكثير من أجل أمته؟!! كانت عينه تنام وقلبه لا ينام؛ ليتلقّى الوحي لينقله إليكَ..
لأن محبَّته أحد أسباب كمال الإيمان في قلب المؤمن؛ ففي الحديث: كما في صحيح البخاري من حديث أَنَسٍt أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» أي لا يكتمل إيمانه!فلا يكتمل إيمان العبد إلا بحبه لله ورسوله بدلالة اقتران محبة الله مع محبة رسوله في كثير من الآيات والأحاديث، حتى إن عمل العبد لا يُقبل إلا إذا قدّمت معه محبة الله، ولن تتحقق محبة الله إلا بمحبة الرسول الحبيب.
لأنَّ المرء يُحشر مع مَن أحبّ، ونحن نحب أن نكون مع حبيبنا رسول الله في أعلى الجنة، يحكي لنا ابن مسعودt فيقول: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[رواه البخاري ومسلم].
وهذه البشرى كانت من أسباب فرح الصحابةy؛ ففي سنن أبي داودعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ لَمْ أَرَهُمْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ أَشَدَّ مِنْهُ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الْخَيْرِ يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِمِثْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»..الرسول القدوة فى كل مناحي الحياة
الرسول القدوة فى كل مناحي الحياة


محبته سبب لتحصيل كمال الإيمان ولذته وحلاوته، ولا يشعر بتلك الحلاوة إلا من ذاقها على وجه الحقيقة لا الادّعاء، قال صلى الله عليه وسلّم: ((ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أَحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المَرْءَ لا يحبُّه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)) فلن تجد لذة ولا حلاوة في إيمانك وعقيدتك إلا إذا صدقت في محبتك لرسول الله وتفضيله على الهوى والعاطفة.. وحديث عمر حين قال له الرسول -عندما أعلن محبته للرسول أكثر من نفسه- فقال له: (الآن يا عمر) أي: الآن اكتمل إيمانُك يا عمر!!
لأنه يدعو لنا في كل سجدة من سجداته؛ ففي حديث عائشة أنه كان يدعو (اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت) فقالت عائشة: ألا ما أجمل هذا الدعاء!! فقال له: أيعجبك؟ قالت: نعم، فقال: والله يا عائشة هذه دعوتي لأمتي في سجداتي.. يا الله، يا ربَّ رسول الله!! النبي يدعو لنا ويحبنا..


ثانيًا: كيف نحب رسول الله حقًّا ونحتفل به على وجه الحقيقة؟
أخِي الكريم.. أُختي الفاضلة:
*هل تشتاقون فعلا لرسول الله؟
*هل تحبون الرسول حقًّا؟
*هل تحبون لقاءه؟
*ماذا لو هيئ لنا أن نلتقي به ماذا سنقول له؟
*كيف سنحدّثه عن دعوانا بمحبته؟
*أين نحن من واقع سيرته ومسالك دربِه؟
*أين صلتنا بالأمّة وأوطاننا في نصرة دينه وأتباعه؟
*هل هذه هي المحبة للرسول؟ اكتفى البعض بادّعاء اللسان..
أيها الأخوة المسْلمون الأكَارِم:
لا شك أننا جميعا سنجيب نعم نشتاق له، ونحبه، ونود لقاءه، وسنقول له كل خير.. لكن هناك علامات لصدق المحبة لمن أراد الجنّة، وفي الحديث : ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي.. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله. قال: من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى))
وكما قيل: (البينة على من ادّعي) فهيا إلى بيّنة الادّعاء بالمحبّة له عليه الصلاة والسلام.. تعالَوْا بنا لنتوقّف قليلا عند دلائل محبته صلى الله عليه وسلّم، ووسائل زيادة المحبة له في قلوبنا وحياتنا، من خلال الروشتَّة العملية التالية:
أول دليل للمحبة الحقيقية قراءة سيرة النبيّ rودراستها وتتبّع أحواله وأخباره؛ وهذا هو أعظم تفسير لمحبة الصحابة للرسول؛ لأنهم رأوْه وعاشوا معه أحداث الحياة، ورأوْا بأعينهم وقلوبهم كيف كان هو الرسول الإنسان؛ وإنك على قدر قراءتك وتعلّقك به على قدر ما يزداد الحب في قلبك، فمن يحب أحدًا يُكثر من الحديث والقراءة عنه، وهذا طبع المحبين، فتجد لسانك يُكثر من الصلاة عليه ونشـر سيرته بين الناس؛ حبًّا وقُربًا.. وتلك المعايشة أقل ما ينبغي في حق ارتباطنا به عليه السلام.
ومن أدلة محبته -عليه الصلاة والسلام- صدق (الاتباع)؛وليس اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادعاءً باللسان، أو حديثا بالبيان، أو تظاهرًا وتمايلا بالأبدان؛ إنما هو تلمذة وشوق وسير وسلوك وجهاد..قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].
مقتضى الاتباع:
*أن تطيعه فيما أمر به وتنتهي عمّا نهى عنه، وذلك بالاستجابة لما أمرك به على ما يأمرك به أصدقاؤك أو يفتيك به عقله وهواك،

 إيثار أمره على هواك وعقلِك: ولعلك تذكر معي موقف حذيفة بن اليمان؛ حين أرسله النبي يوم الأحزاب كعيْن على المشركين في الجهة المقابلة للخندق أثناء المعركة، وقال له: (لا تُحدث في القوم شيئًا)، وكان أقرب ما يكون عندما ذهب من أبي سفيان، وكان يستطيع أن يقتله ويضربه، لكنه تذكّر أمر الرسول (ولا تُحدث فيهم شيئًا) فآثر أمر الرسول على رغبته وعقله ورأيه.. وهكذا ينبغي علينا جميعا أن نؤثر ما يأمرنا به r في ديننا وعلاقتنا بربنا جل جلاله؛ فهو لا شك يعرف أكثر منّا، وما ينطق عن هواه أو عقله (إن هو إلا وحيٌ يوحي)..
التخلق بهديه في شكله وكلامه ولفظه وحركاته، قال تعالى: {لَقَدْكَانَلَكُمْفِيرَسُولِاللَّهِأُسْوَةٌحَسَنَةٌلِمَنْكَانَيَرْجُواللَّهَوَالْيَوْمَالْآخِرَوَذَكَرَاللَّهَكَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. وهو القائل: إنما بعثت لأتمم مكارم –محاسن- صالح الأخلاق... فلنلتزم بأخلاقه.
فالاحتفاء الحقيقي يكون بالتخلق بأخلاقه العظيمة، لنرسم صورة الإسلام السلوكية بين الناس، حتى إذا رآنا الناسُ قالوا هؤلاء يمثّلون إسلامهم حقيقة لا ادّعاءً!!
ما أجمل هذا الدين: 
ما أجمل هذا الدين لو عاش به المسلمون عملاً وسلوكًا!!..
ومن الشرف لك أخي أن تُوقِفَ نفسك على الدفاع عن سنّته وعدم المشاركة أو الرضا أو السكوت عن الاستهزاء به أو التنقيص منه أو التشكيك في هديه الشـريف (فَأَعْرِض عنهُم حتّى يخُوضُوا في حَدِيثٍ غيرِه)..
كثرة الصلاة عليهe؛ فالصلاة قربى، وإذا كان الله يصلي عليه والملائكة كذلك، فقد أمرنا بالصلاة عليه: (صلُّوا عليه وسلّموا عليه تسليما)..ومن الأدب توقيره عند الحديث عنه، بتقديم السيادة له والصلاة عليه دائمًا؛ فهو ليس كأي أحد، وليس أقل مقامًا أو قيمة من معالي أو فضيلة أو سيادة أي إنسان..
ومما يدلل على فضل الصلاة عليه وأثرها في حياة المسلم والمسلمة، ما ورد عن أُبي بن كعبtقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ذهب ثُلثُا الليل قام فقال: ((يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تَتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه))، قال أُبي: قلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ((ما شئتَ))، قال: قلت: الرُّبع؟ قال: ((ما شئت، فإن زدت، فهو خيرٌ لك))، قلت: النصف؟ قال: ((ما شئت فإن زدت، فهو خيرٌ لك))، قال: قلت: فالثلثين؟ قال: ((ما شئت، فإن زدت، فهو خيرٌ لك))، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: ((إذًا تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبُك))؛ رواه الترمذي..
تمنِّي رؤيته والشوق إليه: وتلك بعض مشاعر المحبة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ] رواه مسلم.بهذه الأمور تحقق محبتك لرسول الله

بهذه الأمور تحقق محبتك لرسول الله

وهذا بلال -رضي الله عنه- ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أراد أن يؤذن وجاء إلى: “أشهدأنمحمدًارسولالله”تخنقهعَبْرته،فيبكي،فمضىإلىالشاموذهبمع المجاهدين، ورجع بعد سنوات، ثم دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحان وقت الأذان، فأذن بلال، فبكى، وأبكى الصحابة بعد انقطاعٍ طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذكروا بلالاً وأذانه، وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان بلال -رضي الله عنه- عند وفاته تبكي زوجته بجواره، فيقول: “لاتبكي.. غدًانلقىالأحبة.. محمداوصحبه”.. فكانيشتاقللقاءرسولاللهصلىاللهعليهوسلم،وهوواحدمنالمبشرينبالجنةكماثبتذلكفيالحديث.
وهكذارويعنحذيفةبناليمان،وعنعماربنياسر -رضياللهعنهم أجمعين كلهم- روى أو ذكر القاضي عياض في الشفاء أنهم قالوا: “غدًانلقىالأحبة.. محمدًاوصحبه”.
محبّة محبوباته عليه الصلاة والسلام؛ تنظر فيما كان يحبه المصطفى من الأقوال والأفعال والأشخاص والجمادات وجميل الأخلاق والقيم، والسلوكيات الراقية في الذوق والتعاملات الإنسانية، ومحبة ما كان يحب من سماع القرآن ويحب من الطعام والشراب؛ فالمحب يعمل على تقليد حبيبه فيما يستطيعه ويقْوَى عليه.وفي فتح الباري لابن حجر[بابتزويجالنبيصلىاللهعليهوسلمخديجةوفضلها]: (أن من أحبَّ شيئًا أحبَّ محبوباتِه وما يشبهه وما يتعلق به)وقد قيل: إنّ أصدق علامات أهل الله شغفهم بتقليد المحبوب في سُنته الكاملة.. من محبته لمحبوباته أن تحب آل بيته الأطهار، وأن تُدافع عن عرضهم وشرفهم متى انتُقص منهم، وذلك من غير إفراط أو تفريط!!
تذكر معي:

ما قام به سيدنا أبو أيوب الأنصاري حين مقدِم الرسول إلى المدينة مهاجرًا، ونزل النبيّ r بداره، وقد أرسل إلى الرسول e طعاما فيه ثوم أو بصل، فلم يأكل منه صلوات الله عليه وسلامه.. فقال أبو أيوب:أحرام هو؟ قال الرسول: لا، ولكنى أُناجي من لا تُناجي.. فقال أبو أيوب -وهو المحب لرسوله-: (لا جرم أن أكره الذي تكره يا رسول الله)..
ومن دلائل محبته r: الاتحاد تحت رايته والتمسك بوحدة أمته: فإنه حينما تعود الأمة للوحدة والاعتصام فقد احتفلنا بحق حق الاحتفال، بدلا من هذا الشتات الذي ألَمَّ بالأمّة ومزّق وحدتها، وَأَسْعَدَ قلوب أعداء الأمّة المحمّدية.. فهلموا لنحتفل بمحبته عن طريق تجميع الصف المسلم في كل مكان، وإيصال رسالة للعالَم أننا -كما أرادنا الله- أمّة واحدة، لا طبقية فيها، ولا عصبية مقيتة تقتلها، ولا تشتت يحيط بأبنائها..
الدعوة إلى منهجه وسنته وسيرته، وإرشاد الناس للخير:فتبليغ الناس الخير الذي جاء به، ونشر هديه بين الخلْق هو أحد أهم دلائل إثبات المحبّة له؛.
ومن كيفية إثبات حبّنا لرسولنا: نصرة المظلوم من أتباع دينه والسائرين على طريقته، فكما عند مسلم في صحيحه من حديثالنُّعْمَانِبْنِبَشِيرٍ،قَالَ:
ألا يا محب المصطفى زد صبابة *** وضمّخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما *** علامة حب الله حُبّ حبيبه
رزقنا الله وإياكم شفاعته ومحبته ورفقته في أعلى الجنة يارب العالمين.

 

اضافة تعليق