سيدنا "سليمان" عشق الخيل.. فلماذا ذبحها.. وبماذا أقسم على نفسه؟

الإثنين، 28 أكتوبر 2019 11:22 ص
من أفعاله تعرف أثره العظيم عليه


قال الله تعالى : (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *  إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ:30ـ31) .

من القصص الغريبة في حياة نبي الله سليمان قصته مع الخيل، التي دلت على أهمية العبادة في حياة الأنبياء وعدم انشغالهم عنها، ولو كان ببعض الأشياء التي كانوا يحبونها، ويرتبطون بها، حيث كان الأنبياء يهبون حياتهم لله، لا يحيدون بطرفهم عن وجهه الكريم.

ودلت قصة نبي الله سليمان مع الخيل على هذا المعنى في انشغال أنبياء الله بعبادته حق العبادة، حذرين من أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)"، متلزمين بقوله تعالى عن الذين يعبدونه حق عبادته: "وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ".

شغف سليمان بالخيل

كان سليمان شغوفًا بحب الخيل ، وكان دائمًا ، ما يعتمد على استخدام الخيل ، أثناء جهاده ، في سبيل الله ، وكان دائمًا يولي عناية ، واهتمام بالخيول جميعهم ، أكثر من أي من الحيوانات ، والطيور الأخرى .

وحب الخيل من الفتن التي تلهي صاحبها بدرجة كبيرة حتى أنها لا تشعره بالوقت، وقد عرف عن محبي الخيول ، أنه لا يمكنهم أبدًا التخلي عن ذلك الحب ، والاهتمام بهم ، مهما كان .

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف : ” إِنه ليس من فرس عربي إِلا يؤذن لَه مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول : اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم ، فاجعلني من أحب أهله ، وماله إِليه ، أو أحب أهله وماله إِليه ” .

وكان سيدنا سليمان عليه السلام ، يمتلك العديد من الخيول ، ذات الأصالة ، والسرعة العالية ، غير المسبوقة ، والقوة الشديدة ، حيث كانت مدربة على فنون الحرب ، والقتال ، لذا كان يعتمد عليهم في حروبه ، وأيام جهاده ، حيث لم يكن يثق في قدرة أي خيول أخرى ، غير خيوله هو ، فهو يعرف كيف يعدها للجهاد ، وكيف يدربها على فنون ، وأصول الحرب ، هذا فضلًا عن أن الخيول التي كان يقتنيها سيدنا سليمان عليه السلام ، كانت خيول فاتنة للغاية ، ومبهجة للناظرين ، فقد كانت متكاملة في كل شيء ، سبحان من خلقها ، وجمل صورتها .

ومن شدة حب سليمان للخيل اعتاد سيدنا سليمان عليه السلام ، أن يقوم بتنظيم الخيول بنفسه ، حتى أنه في يوم من الأيام ، ظل سيدنا سليمان ، ينظم صفوف الخيول الخاصة به ، ويهتم بها أيما اهتمام ، إلا أن الشمس وقتها قد غابت ، مما جعل صلاة العصر ، تفوت سيدنا سليمان عليه السلام ، دون أي انتباه منه ، هذا ما جعله وقتها يشعر بالغضب الشديد من ذاته ، لأنه فوت بانشغاله بالخيول ، تأدية صلاة العصر .

حزن سيدنا سليمان حزنًا شديدًا ، فهو للمرة الأولى ، قد انشغل عن العبادة ، وأخذ يتمنى لو أن الشمس ترجع مرة أخرى ، حتى يقوم بتأدية الصلاة في موعدها ، وأخذ من فرط غضبه ، يذبح في الخيول ، واحدًا تلو الآخر ، بواسطة سيفه ، وقام بالتصدق بلحوم الخيول ، على الفقراء ، والمساكين ، ومن ثم أخذ يقول : ” والله لن تشغلني الخيول يومًا ، بعد اليوم ، عن عبادة الله جل علاه ” .



ومنذ ذلك الحادث ، ابتعد سيدنا سليمان عليه السلام ، عن الخيول ، واقتنائها مرة أخرى ، خشيةً من أن يغضب عليه الله ، أو يتعرض لعذابه ، ومن هنا ، كانت مكافأة سيدنا سليمان من رب العباد ، أنه شخر إليه الرياح ، وجعلها تسير بأمره ، وتجري بها حيث شاء .

حب الخيل من السنة

يعد حب الخيل من السنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الخيل معقود بنواصيها الخير، وأخبر عليه الصلاة والسلام: أن من اتخذها في سبيل الله كان روثها في ميزانه، وإذا عدت وجرت وأكلت ورعت فإنه في ميزانه يوم القيامة، فلا عجب أن يتخذ سليمان الخيل، وأن يعدها للجهاد، وأن يدربها، وأن يستعرضها، وأن يمرنها، وأن يأمر بركضها وعدوها، ويراها تجري في الميدان، إنه متعلق بها لغرض الجهاد في سبيل الله، لا رياء ولا فخرًا، لأن من اتخذ الخيل رياء وفخرًا فله العقوبة من الله، ومن اتخذها لكي تتناسل ويبيع منها فقد اتخذ باب رزق يستر به نفسه لا يتكفف الناس، فقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر  .


وقد روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أو من خيبر، وفي سهوتها ستر، يعني: في بيت عائشة، فهبت الريح فكشفت ناحية الستر، السهوة، مثل أحيانًا الخزانة الحائطية المحفورة في الجدار وعليها ستر، فهبت الريح فكشفت الستر، فكشفت ناحية الستر على بنات لعائشة رضي الله عنها لعب، فقال صلى الله عليه وسلم:ما هذا يا عائشة؟  قالت رضي الله عنها: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع جلد، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ ، قالت رضي الله عنها: فرس  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي عليه؟ .

قالت رضي الله عنها: جناحان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرس له جناحان ، قالت رضي الله عنها: أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة، قالت: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه"رواه أبو داود.

ولقد أثنى الله تعالى على سليمان، وقال  نِعْمَ الْعَبْدُ ، وبين فضل الأوبة إليه، والرجوع بالقلب والعمل، وبين عظمة ملك نبيه سليمان،  إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ، وكيف يهتم القائد باستعراض الجنود وآلات الحرب، ومن ذلك الدواب التي يقاتل عليها، وأن عرض الخيول عادة قديمة في البشر، وأنه ينبغي اختيار الخيل الجيدة الجميلة لإعدادها للحروب، وأن هذا كان من دأب الرسل، وأن في نواصيها الخير، وأن المال خير للإنسان إذا أعانه على طاعة الله، وأن المسلم عليه ألا ينشغل عن الصلاة بأي شيء من الأشياء، وربما يكون فيه إشارة إلى كروية الأرض، لأنه لما أثبت أنها تتوارى بالحجاب، دل على أن الأرض تحجبها، وتنزل شيء فشيء حتى تكون في الأرض، وهذا يشير إلى كروية الأرض.

لذلك دلت الآيات على أوبة سليمان عليه السلام، وكيف أنه أزال السبب الذي أشغله عن الصلاة، وخطورة صلاة العصر، وأنها معروفة من القديم من شرائع الأنبياء، وأن هناك صلاة قبل غياب الشمس، وأن غروب الشمس تنتهي به وقت الصلاة، وفيها تأكيد التمسك بذكر الله، وعدم الانشغال عن أوقات الصلوات المفروضة.

اضافة تعليق