خطبة الجمعة غدًا.. هـــذا هـــــو الإســـــلام

الخميس، 24 أكتوبر 2019 10:00 م
هذه هي مراتب الإسلام

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:
هـــذا هـــــو الإســـــلام
تحت هذا العنوان تطوف الأذهان حول بصمات هذا الدين في كل مجال من مجالات الحياة، فنرى الإسلام وقد ضرب بجذوره في أعماق القلوب والأفئدة، ونشـر الخير في كل قُطر ومصر دخل فيه، ونراه وقد ضبط التصورات والتصرفات البشرية، كما أثمر ثمراته اليانعة في حياة من أحسن فهمه وطبّقه أحكامه بصورة حكيمة صحيحة.
تحت هذا العنوان: نحاول أن نشير إشارات سريعة يسيرة حول هذا الدين الذهبيّ([1])، الذي ربما أصابه بعض الدّخن من جرّاء تصورات خاطئة، وتصرفات شاردة ابتعدت عن حكمة المشرّع الحكيم.
هذا هو الإسلام: رسالة إلى كل من أساء فهم الدين وحصره هنا أو هناك.
هذا هو الإسلام: رسالة إلى من رأى مِن بعض أتباع الإسلام أخطاء أو خطايا؛ بحيث لا يُحاكم الإسلام إلى تصرفات أتباعه؛ وإلا حاكمنا الديانات الأخرى إلى تصرفات أتباعها ممن أجرموا وحرّقوا وقتّلوا وفسقوا وبغوا واعتدوا على الإنسان كإنسان.
هذا هو الإسلام: رسالة تحمل البشرى لكل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد نبيًّا ورسولا.
هذا هو الإسلام: صرخة في أعماق قلوب المسلمين بضـرورة تحملهم لمسؤوليتهم نحو دينهم ونحو البشرية جمعاء؛ فكم ابتليت أمّتنا بأُناس أصيبوا في أفكارهم فأصابوا الأرض بعنيف سلوكياتهم.
هذا هو الإسلام: الذي حمله النبي وحمله مِن بعدِه أصحابه y إلى الدنيا، فأناروا ظلماتها، وعلّموا من جهل بها وبالآخرة معًا،  وأضاءوا العقول والحياة.
هذا هو الإسلام: دين يحمل بين تشريعاته اليسر والبشرى والأمل والخير والتسامح والود والألفة والعدل والمساواة والإنسانية والرحمة والجمال لكل من دان به، وسمع عنه، ووصلته رسالة الله.
هذا هو الإسلام: دينٌ يجعل من محبة الله تعالى الخالق أن تحب ما صنعه وخلقهI بيده، وأكرم من خلقه اللهI هو الإنسان؛ فهو دين يدعو للمحبة للبشرية والإنسانية.
هذا هو الإسلام: دين يتوافق مع العقول والفطرة والمنطق؛ حين يدعونا للتوحيد وعبادة الإله الواحد الأحد، دين يجيب على استفسارات وأسئلة (من أين جئنا، ولماذا جئنا، وإلى أين المصير)؟ بينما تاه واحتار غير المسلمين في تفسير فلسفة الكون والحياة والأحياء.
هذا هو الإسلام: تتضح فيه غاية الخلق والإيجاد؛ فقد أوضح الإسلام أننا خُلِقنا لعبادة الله تعالى؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وتزكية أنفسنا؛ قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]، وتعمير الأرض التي وُجِدنا فيها، قال سبحانه وتعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
هذا هو الإسلام: الذي ربط بين عقيدة المسلم وعبادته وأخلاقه وسلوكياته؛ حتى ثبت أنّ من اختلفت حركته وسلوكياته عن عقيدته وإيمانه ففي إيمانه شك، وقد دخلت امرأة صوّامة قوّامة النار لسوء خُلقها رغم عبادتها الصورية التي كانت تقوم بها. وقد ربط النبيّ ^ بين الإيمان بالله وبين إكرام الضيف وعدم إيذاء الجار وقول الخير أو الصمت عن الباطل؛ كما ثبت في الحديث المتفق عليه.
هذا هو الإسلام: دينٌ يضبط فكر المسلم وسلوكه وأخلاقه في يقظته وحركته وسكناتِه وطعامه وشرابه، بل حتى دخول دورة المياه لقضاء حاجته.
هذا هو الإسلام: دين يعلّمنا أن نستفيد من غيرنا -ولو غير مسلمين- فيما ينفعنا وينفع البشرية حقًّا؛ لكنه في ذات الوقت دين يغنينا عن غيرنا في الأحكام والحُكم، في التقدّم والرقيّ، في الآداب والأخلاق.
وأحب ها هنا حتى لا أطيل عليكم -أيها الأحبة- أن نتوقف وقفات مهمة لبيان حقيقة هذا الدين،
مما ينبغي معه أن نتعايش به وأن نهتدي بهديه وأن نسير وفقًا لما جاء به خير الأنام محمد .
الوقفة الأولى: هذا هو الإسلام في عقيدته: فأساس ديننا عقيدة سليمة في الرب الخالق، وقد جاء جميع الأنبياء بتلك العقيدة؛ فدعا كل الأنبياء إلى عبادة إله الكون وحده، لا شريك له، وهذا نبيّ الله عيسى المسيح عليه الصلاة والسلام كان أول ما نطق به وهو في المهد صبيًّا: ((إني عبدُ الله)) يقرّ بعبوديته لرب الكون، فلا هو ابن له ولا شريك معه في الملك ولا هو نصف إله -حاشا وكلا-، وقد جاء كل الرسل بذلك. فلا صحة لتدينك وإسلامك بغير يقين في ربك الذي خلقك، وإيمانك بأن الرزق بيده لا بيد غيره، وأنه صاحب الملك يؤتي وينزع، ويعطي ويمنع، يعز ويذلّ، يرفع ويضع؛ فهو الله القادر الحكيم.
الوقفة الثانية: هذا هو الإسلام في تشريعاته: فصاحب الكون وخالقه عزّ وجلّ قد شرع شرائع تعمل على إعداد إنسانٍ متكامل يفهم دينه ومنهجه وأحكامه وتشريعاته؛ تشريعات تحمل بين جوانحها الوسطية واليُسْر والشمول والثبات والمُرونة والسّعة. فهل من تشـريع في ديننا لا يتناسب مع الإنسان كإنسان؛ خاصة وأنّ الذي وضع هذا التشريع هو الخالق للإنسان؛ قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]. وقد جعل الله تعالى لكل تشريع من تشـريعات ديننا مقاصد تحيطه ترفع الحرج عن الإنسان، وتزيل الكرب عنه، وتقيمه على الصراط المستقيم الجامع لصلاحه في الدنيا والآخرة. فَصِحّةُ إسلامك بصِحّة قيامك بالتشريعات المطلوبة منك، وقناعتك بأنها الحق الذي لا شكّ فيه –لا قهرًا ولا غصبًا؛ بل قناعة عقلية ورشاد بمنهج النبوّة- ودعوتك لغيرك إليها.
الوقفة الثالثة: هذا هو الإسلام في أخلاقه: فلقد اختصر النبيّ -عليه الصلاة والسلام- الهدف من بعثته في قوله (إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق) فليس بدين يجعل الإنسان يقترب من ربه في دار العبادة –أو هكذا يظن البعض- ثم هو يبتعد بسلوكه وأخلاقه عن بيئته ومجتمعه.. إنَّ الإسلام دين الأخلاق؛ فقد رأينا صحة العقيدة في صحة السلوك، وشاهدنا حقيقة العبادة في جمال الأخلاق المتصلة بها المترتبة عليها. ومن أراد أن يتأكّد من ذلك فليراجع ما ثبت في حديث القرآن الكريم عن عبادات الإسلام، وحديث السنة في الربط بين العقيدة والأخلاق. وعلى هذا فكلما حسُنت الأخلاق كلما ازدادت صلتك بالإسلام حقيقةً.
الوقفة الرابعة: هذا هو الإسلام في ميزانه الضابط لتصورات وتصـرفات أتباعه: إنّ دين الله تعالى دين يجمع بتوازنه ومرونته بين التصورات والتصرفات، الفكر والسلوك؛ ويعيب على من تشدّد في فهم دينه بخلاف ذلك، يعيب على من أوّل النص الديني حسب هواه أو حاصره بإطار حديدي يمنعه من كماله وشموله ومناسبته لكل ظرف وحال، كما يعيب على من ربط بين التشدد والتدين؛ فالدين -أيها الأحباب- ليس فكرًا فقط؛ بل هو سلوك وتصرف يجب أن يراه الناس في واقع حياتهم، وليس الإسلام مسكّنات يلقيها دعاة في نفوس الناس؛ إمّا تسكينا للآلام فقط أو صرفًا للاهتمامات عن الأمر الواقع  في حياة الناس.
الوقفة الخامسة: هذا هو الإسلام في بنائه وعمرانه: يتصوّر بعض الناس عن الإسلام أنه دين الترانيم أو التراتيل أو الأوراد أو الأذكار اللسانية فحسب أو أنه دين محصور في تمايل البدن أو في محرد وقوفه بين يدي الله في المسجد للصلاة؛ بينما الإسلام هو دين يتفاعل مع حركة الحياة، يرجو النفع لجميع المخلوقات... فيأمر بالعلم، ويُرشد السبيل إلى كل ما فيه نفع البشرية كلها، ويأمر أتباعه بطلب العلم ولو في أقصى الدنيا، كما نرى الإسلام دينًا مُحرّكًا للهمم نحو عمران الأرض وإصلاحها بما يصلحها ويصلح شأن مَن سكنها وأقام بها، بل إن دعوات كل أنبياء الله ومرسليه مختصرها (الإصلاح والتعمير في هذا الأرض)؛ قال تعالى-على لسان شعيب النبيّ عليه السلام-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]. فإن أردت أن تختبر إسلامك، فراجِع أين أنتَ من إصلاح الأرض وعمرانها.. ولذا على كل إنسان يشارك في بث جُرم أو تشجيعه أو تسويق فُحش وخلاعة ومجون أن يراجع نفسه: دينك دينك!!
الوقفة السادسة: هذا هو الإسلام في التعايش السلمي مع المخالِف: فقد يظن البعض أنّ الدين يأمر أتباعه بمعاداة غيرهم وكراهيتهم والتولي عنهم، بينما نسي أمثال هؤلاء أن من الإسلام الدفاع عن غير المسلم إن ظُلِم في أمر ما، ومن الإسلام قبول الآخر والتعايش معه، ومن الإسلام الإحسان والبر بغير المسلم المسالِم بعيادة مريضه ومواراة الموتى من غير المسلمين، وزيارتهم والأكل من أيديهم وفي آنيتهم مع التورّع من النجاسات، وهكذا هو الإسلام. قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].. وقد ثبت في السُّنّة النبوية المباركة أن من آذى ذميًّا أو معاهدًا أو انتقصَه حقًّا له أو اعتدى على شيء من ممتلكاته تتعلّق بدينه ودنياه بغير وجه حق، لم يرح رائحة الجنة..
وعلى هذا فالإسلام ليس كلماتٍ تُقال باللسان.. إن الدعاوي لا تُغني عن أصحابها شيئًا.. فالإسلام سلوك وتطبيق وعمل.. الإسلام استسلام لله بالتوحيد والعبودية.
الإسلام هو العمل الحقيقي بمقتضيات (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
الإسلام هو السلوك الذي يتوافق مع عبادة الله وتوحيده.
الإسلام هو الحكم بما أنزل الله تعالى والاحتكام إلى تشريعه سبحانه.
الإسلام هو القناعة بأنّ النافع والضار هو الله تعالى بحكمته البالغة.


[1])) فمن الصعوبة والاستحالة بمكان أن نجمع في خطبة أو محاضرة كل الدين تحت هذا العنوان (هذا هو الإسلام)؛فمع عظمة المضمون والموضوع يصعب حصر الحاصر لمزاياه، وهو دين عقيدة وعبادة وأخلاق، فهذا هو الإسلام دين شامل يبدأ من لقمة يأكلها الإنسان ويُطعمها أبناءه، وينام في فراشه، وينتهي بالعلاقات الدبلوماسية العالمية، دينٌ يُدلي بدلوه في الحكم والسياسة، في الاقتصاد والإدارة، في المدنية والحوار وأخلاق المذهبية وآداب الخلاف... إلى غير ذلك.

اضافة تعليق