فقيه أندلسي .. بين وفاء يهودي وغدر وزير وعفو ملك .. دراما مثيرة

الخميس، 24 أكتوبر 2019 07:40 م
مواجهة مثيرة بين أمير المؤمنين وفقيه ..ونهاية غير متوقعة
سجال رائع بين أمير أموي وفقيه اندلسي .. هذه تفاصيلها


بعد وفاة مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عبدا لرحمن الداخل أخذت البيعة لابنه هشام بن عبد الرحمن الداخل الأموي "139 هـ-180 هـ" الذي يعد ثاني أمراء الدولة الأموية في الأندلس، والمعروف بلقب هشام الرضا.

هشام بن عبدا لرحمن الداخل ولد في قرطبة في 4 شوال 139 هـ، ولاّه أبوه ولاية ماردة، ثم عهد إليه بالولاية رغم أن أخاه سليمان كان أسن منه. وقبل وفاة والده، أوصى عبد الرحمن الداخل ولده عبد الله بأخذ البيعة لهشام الذي كان في ولايته في ماردة.كان من العلماء المطلوبين لعدالة السلطان الأموي "طالوت بن عبدا لجبار المعافري " تلميذ الإمام مالك

كان من العلماء المطلوبين لعدالة السلطان الأموي "طالوت بن عبدا لجبار المعافري " تلميذ الإمام مالك


موالاة الفساق
ولكن لما تولى الحَكم بن هشام بن عبدا لرحمن الداخل الحُكم في الأندلس مالَ إلى أهلِ الفسق واقترفَ الكبائر والمنكرات فتحرّك الفقهاء وأرادوا الخروج عليه فحصل ما حصل للفقهاء من قتلٍ وتعذيب، وشاء الله لبعضهم النجاة فهرب منهم من هرب !.
وكان من العلماء المطلوبين لعدالة السلطان الأموي "طالوت بن عبدا لجبار المعافري " تلميذ الإمام مالك ، وهو من" أكابر الفقهاء" وقد هرب من بطش السلطان  واستخفى عند جارٍ له يهوديّ مدّةَ عامٍ كامل ، اكرم خلاله اليهودي وفادته
وعندما طالت مدة بقاء طالوت عند اليهودي قدم الأول الشكر له مخاطبا أياه " قد عزمت غدًا على الخروج وسأذهب إلى الوزير"أبي البسام " فقد قرأ عليّ القرآن وعلمته العلم ، ولي عليه حق التعليم و العشرة فضلا عنه أنه يتمتع بنفوذ عند هشام الداخل فلعله يشفع لي عنده فيؤمّنني ويتركنى.

 

وهنا تدخل اليهودي في الحوار وامتلك زمام المبادرة : " يا مولاي لا تفعل .. إني أخاف عليك من بطش الحَكم بك " بل أن  اليهوديّ أخذ يحلف لهُ بكلِّ يمينٍ  - ويقول له : " لو جلست عندى بقية عمرك مامللت منك. ".

 

تصميم علي المغامرة 
لكن طالوت لم يعر لإيمانه اهتمام وصمم علي الخروج فخرج فى الخفاء " بالليل " حتى أتى دار الوزير فاستأذن عليه ، فأذِن الوزير له ،فلما دخل عليه رحّب به وأدنى مجلسه وسأله أين كان في هذه المدة فقص عليه قصته مع اليهودي .


بعدها خاطب الإمام "طالوت" الوزير أبى البسام قائلا : اشفع لي عند السلطان حتى يؤمنني - فوعده الوزير بذلك ، ثم خرج الوزير بشكل فوري إلى الأمير" الحكم " ووكل بـ " طالوت " من يحرسه . فلما دخل الوزير " أبو البسّام " على الأمير هشام الداخل قال له لقد جئتك بهدية" جئتك بطالوت رأس المنافقين ، قد ظفرت به "  .


 الأمير الأموي تعاطي بشكل سريع مع كلام الوزير وقال قم فعجّل لنا به فلم يلبث أن أُدخل الإمام  "طالوت" على الأمير ، وكان الأمير يتوقد ويشتعل غيظًا منه- فلما رآه جعل يقول : "طالوت الحمد الله الذي أظفرني بك ، ويْحك والله لأقتلنك شر قِتله .. كيف استبحت حرمتي؟؟ "

 

بغض في الله 
الإمام "طالوت" رد علي الأمير الأموي : ما أجد لي في هذا الوقت مقالاً إلا أن أقول لك - والله ما أبغضتك إلا لله وحده حين وجدتك انحرفت عن الحق وما فعلت معك إلا ما أمرني الله به ، فسكن غيظ الداخل ثم قال يا طالوت .. والله لقد أحضرتك وما في الدنيا عذاب إلا وقد أعددته لك .


الأمير تابع مخاطبا الإمام :لكن كل أنواع التعذيب قد حيل بينها وبينك  ، مضيفا :  فأنا أُخبرك أن الذي أبغضتني له قد صرفني عنك ، اذهب قد عفوت عنك. ثم سأله " الداخل "  يا إمام : "كيف ظفر بك الوزير أبى البسام ؟ " .

الإمام طالوت رد حسب ما روي في " السِّيَر للإمام الذهبي، سيرة الحكم بن هشام ٨ / ٢٥٤ "" أنا أظفرته بنفسي عن ثقة ، فأنا لي فضل عليه - فقد علمته القرآن والبيان ، واستأذنته أن يشفع لي عندك ، فكان منه ما رأيت " فقال له : "فأين كنت قبل أن تذهب إليه ؟ " فأخبره " طالوت " بخبر اليهودي فأطرق الأمير رأسه.

"عواقب وخيمة "


وبعد ذلك نادي الأمير على وزيره " أبي البسام " وقال له : " يالك من رجل سوء - قاتلك الله أيها المشئوم " أكرمه يهودي من أعداء الملّة ، وسترَ عليه لمكانة العلم والدين ، وخاطرَ بنفسه من أجله ، وغدرت به أنت ياصاحب الدين حين قصدك .
الأمير الأموي هشام الداخل واصل تأنيب وزيره قائلا : أيها المشئوم ألا أديت له حق تعليمه لك ؟؟ ألم تعلم أنه من خيار أهلِ ملّتك وأردتَ أن تزيدنا فيما نحن قائمون عليه من سوء الانتقام  أُخرج عني.. قبّحك الله .. لا أرانا الله في القيامة وجهك هذا - إن رأينا لك وجها ولا أريدأن أراك بعد اليوم أيها المشئوم ثم طرده من الوزارة وضيّق أرزاقه .

 

ولم يمر وقت طويل فرأى الناس هذا الوزير المنافق الكاذب - في فاقةٍ وذُلّ ، فقيل له مابك وما الذي أصابك ؟؟ قال: استجبت فيَّ دعوة الفقيه "طالوت ".
الأمر لم ينته عند هذا الحد بل أن هشام الداخل صمم علي تكريم وفاء اليهودي للفقيه لليهودي وكتب له كتابا بالجزية فيما ملك ، وزاد في إحسانه ، فلما رأى اليهودي ذلك ، أسلم وأما " طالوت " فلم يزل مبرورًا عند الأمير إلى أن توفي ، فحضر " الحَكم " جنازته وأثنى عليه بصدقه.وإخلاصه -وعلمه-


اضافة تعليق