"الإمام أحمد" اشتهر بشدة الورع.. لن تتخيل سهولة أخلاقه

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2019 01:38 م
أقوال-جميلة-جدا-للإمام-أحمد-بن-حنبل-للمأمون


جاء في الأثر : " إن الله يحب كل مؤمن سهل قريب لين"، لما في ذلك من تآلف القلوب وحسن العشرة والمودة بين الناس، وقد اشتهر الإمام أحمد بن حنبل، بالرغم من ورعه الجم وعبادته الفريدة بحسن تواضعه وسهولة أخلاقه.

يقول أحد معاصريه: ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكًا لنفسه، وطلقًا لها، وفقهًا وعلمًا، وأدب نفس، وكرم خلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التماوت.

وقال رفيقه علي بن المديني، قال لي أحمد بن حنبل. إني لأحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني.

قال: فلما ودعته قلت له: يا أبا عبد الله، توصيني بشيء؟ قال: نعم  الزم التقوى قلبك وانصب الآخرة أمامك.

 وروى أبو داود السجستاني : كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل يذكر الدنيا قط.

وقد كان الإمام أحمد من أحيا الناس، وأكرمهم نفسًا وأحسنهم منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن؛ وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه.

 وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لم أره يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بنحو من سبع سنين.

يقول ابنه عبد الله بن أحمد: كان أبي إذا دخل من المسجد إلى البيت، يضرب برجله قبل أن يدخل الدار، حتى يسمع ضرب نعله لدخوله إلى الدار، وربما تنحنح ليعلم من في الدار بدخوله.

 وقال أحد رفاقه: رأيت أبا عبد الله غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس؛ رأيته كثيرا يقبل وجهه ورأسه وخده ولا يقول شيئا، ولا يمتنع من ذلك، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبل جبهته ورأسه؛ ورأيته لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه.

قال الخلال: وقلت لزهير بن صالح بن أحمد: هل رأيت جدك؟ قال: نعم؛ وكنا لي نحوا من ثمان سنين؛ ومات وقد دخلت في عشر سنين. فقلت له: تذكر من أخلاقه شيئا؟

 قال كنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أنا وإخواني، وكان بيننا وبينه باب مفتوح، فكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى تاجر يعامله، فنأخذ منه الحبتين ونأخذ للأخوات، وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بين في ظهره.

يقول : وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي ويكنى أبا حفص، فأراد أبي أن يختنه، فاتخذ له طعاما كثيرا ودعا قوما، فلما أراد أن يختنه وجه إلى جدي فدعاه؛ قال أبي: قال لي: بلغني ما قد أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفت فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم؛ فلما أن كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا، دخل أبي على جدي فأعلمه أن الحجام قد جاء، فجاء جدي معه حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي وختن وهو جالس فأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة إلى الصبي، وقام فدخل منزله، فنظر الحجام إلى الصريرة فإذا فيها درهم واحد، ونظرنا إلى صرة الصبي فإذا فيها درهم، وكنا قد رفعنا كثيرا مما قد افترش، وكان الصبي على منصة مرتفعة على شيء من الثياب المصبغة، فلم ينكر من ذلك شيئا.

قال الخلال: وأخبرني عبد الملك الميموني، قال: كثيرًا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء فيقول: لبيك.

قال أيضا: كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جهل عليه احتمل وحلم، ويقول: يكفي الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة؛ فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله، فلا يظهر لهم ميله مع عمه، ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلسه، مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمد قدمه في المجلس ويكرم جليسه؛ وكان حسن الخلق دائم البشر لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ؛ وكان يحب في الله ويبغض في الله.

 وكان إذا أحب رجلاً أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظلم أو إثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن رجل صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله.

 وكان رجلاً فطنًا إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها؛ فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم.

 وكان حسن الجوار يؤذي فيصبر ويحتمل الأذى من الجار؛ ولقد أخبرني بعض جيرانه، ممن بينه وبينه حائط قال: كان لي برج فيه حمام، وكان يشرف على أبي عبد الله، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابرا لا ينهاني، فبينا أنا يوما إذ صعد عمي فنظر إلى البرج مشرفا على أبي عبد الله فقال: ويحك، أما تستحي تؤذي أبا عبد الله؟! قلت له: فإنه لم يقل لي شيئا. قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذه الطيور، فما برح حتى وهبتها له فذبحها وهدم البرج.

اضافة تعليق