كيف حارب الإسلام الفساد وقضى على المحسوبية والمجاملات؟

الأحد، 20 أكتوبر 2019 01:20 م
820192132523905386555



إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.. عبارة نسمعها كثيرًا عن الأمم التي ضاعت وضيعت أبناءها نتيجة انتشار الفساد والمحسويبة، ليصدق قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» [رواه البخاري].

ولما كانت هذه الأمة عادلة كانت عزيزة، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه لما استُخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل "سمرقند" رفعوا إليه أن قتيبة (قائد جيش الفتح الإسلامي) دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فأمر عمر بن عبد العزيز عندها بعقد محكمة للنظر في تلك الشكوى ويكون مقرها سمرقند نفسها، وأقيمت المحكمة وأصدر القاضي المسلم حكما بإخراج المسلمين من سمرقند لأنهم دخلوها ولم يخيروا أهلها بين الإسلام أو الجزية أو الحرب، ليذهل أهل سمرقند من هذا العدل، ولتكون عاقبة هذا العدل الإسلامي دخول أهل سمرقند في دين الله.



وجاء في حديث عائشة -رضى الله عنها-: "أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟، فكلمه أسامة، فقال رسول الله : صلى الله عليه وسلم أتشفع في حد من حدود الله؟، ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يداها، متفق عليه.


هذه المرأة جاء في بعض الروايات: أنها كانت تستعير المتاع، وتجحده، وبعضهم يقول: إن اسمها فاطمة بنت أبي الأسد المخزومية، وبعضهم يقول: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد المخزومية، ومثل هذا لا حاجة إليه، ومن شأنه أن يُستر، فهي امرأة شريفة، قرشية من بني مخزوم، فهؤلاء من قريش كرهوا أن تقطع يدها، أهمهم شأنها، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟، يعني: من يشفع لها؟، "فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حِبُّه أي أنه محبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه، "فكلمه أسامة"، فيه حذف واختصار بمعنى أنهم كلموا أسامة وطلبوا منه أن يشفع، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟، ثم قام فاختطب، يعني: قام فخطب.


عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وقال لهم: إني نهيت عن كذا وكذا وأن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم «يعني يترقبون الفرص»، فلا يذكر لي أن أحداً منكم فعل ذا «يعني ما نهى عنه»، إلا أضعفت عليه العقوبة... رضي الله عنه، لماذا ؟ لأنهم ربما يفعلون هذا ويجرؤهم على الفساد لأنهم أقارب من عمر فيتوسلون بقربهم منه إلى أن ينتهكوا ما نهى عنه، وإلا لقيل لماذا عمر يضعف عنهم العقوبة ؟ أليس العدل أن يكون الناس سواء؟ بلى ولكن هذا لأنهم توسلوا بشيء لا يحل لهم التوسل به وهو قربهم من ولي الأمر وعلى هذا نقيس قانون محاكمة الوزراء.



والحقيقة أن من سلك هذا المسلك هلك، فمن كان لا يقيم الحد إلا على الضعيف ويمنعه عن الشريف، فهذا سبب الهلاك لأن بني إسرائيل هلكوا بذلك، ونحن وبنو إسرائيل سواء عند الله، إذا لم نتميز بما ميزنا الله به قال الله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ).

والحقيقة التي أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، أنه أقسم أن فاطمة بنت محمد لو سرقت لقطع يدها ومثّل بفاطمة، لأنها امرأة من بطن شريف والمخزومية امرأة من بطن شريف، ولأنها أقرب النساء إليه، مثّل بها لأنها أشهر البنات، حيث قال: هذه لو سرقت لقطعت يدها، وكلمة لقطعت لباشرت القطع، والظاهر أننا نحمله على المباشرة يعني لكنت أنا الذي أباشر قطعها.


وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قيل يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الامر الى غير أهله فانتظر الساعة».


قال تعالى: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً * وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ * كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال».

اضافة تعليق