"إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا".. فما هي الجنة التي بين أيدينا ونغفل عنها؟

الأحد، 20 أكتوبر 2019 10:20 ص
6201814201253711669853


المسجد موضع تنزل به الرحمات، واستجابة للدعوات، ومنسكاً للأعمال الصالحة لقول الله تبارك وتعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 39]،

وأثنى الله تعالى على الذين يعمرون المسجد بالطاعات وبشرهم بالثواب العظيم قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور:36-38]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا".

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟

قَالَ: "الْمَسَاجِدُ"

قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ".

وعن أنس بن مالك – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا".

قَالَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟

قَالَ: "حلق الذكر".

وعن ابن عباس – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَارْتَعُوا".

قَالَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟

قَالَ: "مجالس العلم".

فالمساجد وحلقات العلم جنة الله في أرضه، والذكر نعيمها، والعلم غراسها، فمن أراد الله به خيراً فقهه في الدين، وأعانه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وجعل قلبه معلقاً بالمساجد، فكان العلم غذاءه، والذكر دواءه والمسجد مأمنه، ولم يكن له وراء ذلك مطلب.


أما الذكر: فهو الروح والريحان، وأفضل أماكنه المساجد. وأفضل الذكر: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.

والطريق إلى معرفة الله هو العلم، فنحن لا نستطيع أن نذكر الله حق ذكره إلا به.

قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (سورة محمد: 19).

وفي هذه الآية دليل على أن إيمان المقلد ليس كإيمان العارف بالله، الواقف على ما يقتضيه التوحيد من الواجبات والآداب.

وهذا الحديث برواياته الثلاثة يحمل إلينا وصية من أعظم الوصايا وأنفعها لنا في الدنيا والآخرة.

 فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا" فيه أربع لطائف:

الأولى:في التعبير "بإذا" وهي ظرف يفيد تحقيق الوقوع، أي حتماً ولابد أن تمروا برياض الجنة.

ولو قال: إن مررتم. ما أفاد هذا المعنى؛ لأن "إن" يؤتي بها لما يظن وقوعه لا لما يتحقق وقوعه.

الثانية:في قوله : "مَرَرْتُمْ". فإن المرور قد يكون حسياً وقد يكون معنوياً، فالمسلم إذا كان يمشي في الطريق فوجد قوماً يذكرون الله - عز وجل – أو يتعلمون أو وجد مسجداً، فالمرور حسي

وإذا خطر بقلبه ومر على خاطره أن يحضر مجال الذكر أو مجالس العلم في المساجد وغيرها، فالمرور معنوي.

وكل منهما محتمل ومزاد بقوله: "إِذا مَرَرْتُمْ".

والثالثة: في قوله: "بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ" وهي بساتينها، جمع روضة. سميت بذلك لكثرة ما فيها من الثمار البائعة والمناظر الخلابة والطبيعة الجذابة.

وتكمن هذه اللطيفة في التشبيه، فقد شَبه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المساجد ومجالس الذكر والعلم برياض الجنة، لما فيا من التمتع بحلاوة العلم والذكر؛ إذ التمتع بهما يفوق التمتع بكل طيبات الحياة مجتمعة.

فالعلم خير ما يسعى إليه الساعون ويجد في طلبه المجدون، فلا شيء يفوق العلم في قدر وشرفه، كما سيأتي بيانه.

ومن ذاق حلاوة الذكر ذاق حلاوة الإيمان، ومن ذاق حلاوة الإيمان لم يشغله عن طلب رضا الله شيء، ولا الجنة؛ فإن الجنة هي مطلب عامة المؤمنين، ورضا الله طلب الخواص منهم.

واللطيفة الرابعة: تكمن في قوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "فَارْتَعُوا" تعبير دقيق في معناه ومرماه، بليغ في تصوير الحقيقة وتعميقها في عقل السامع وقلبه، وفيها من الخفة والظرف والإقناع والإمناع ما يعجر اللسان والقلم عن بيانه.

 والرتع في مفهوم اللغة: الاتساع في الأكل والشرب والتنزه والمرح، مأخوذ من الرتعة: وهي الأرض الخصبة.

قال في القاموس: رتع أكل وشرب ما شاء من خصب وسعة.

ومن هذا المعنى اللغوي يتبين لنا بلاغة الكلمة في هذه الوصية، فإنه – – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شبه الذكر والعلم وارتياد المساجد بما فيه قوام الحياة، وهو الأكل والشرب.

ووجه الشبه أن كلا من هذا وذاك لا غنى عنه، فالأكل والشرب غذاء الجسم، والذكر والعلم وارتياد المساجد غذاء الروح، ولا جسم بلا روح.

فعلى المسلم أن يجعل مبلغ همه في طلب ذلك المرعى الروحي الخصيب، فإنه جنته التي لا ينضب معينها ولا ينقد رزقها، ولا يفنى نعيمها.

بل إن أهل الجنة لا يتنعمون بشيء أكثر من تنعمهم بذكر الله وطلب المزيد من معرفة الله.

وهم في الدنيا يعيشون في جنة لا يعرفها سواهم.

ولقد قال قائلهم: نحن في نعمة لو علم بها الملوك لقاتلونا عليها بسيوفهم.

وقال رجل منهم: عجبت لقوم خرجوا من الدنيا ولم يستمتعوا بنعيمها!!

قالوا: أو في الدنيا نعيم يا رجل!!

قال: إن فيها نعيماً يعدل نعيم الجنة.

قالوا: وما هو؟

قال: ذكر الله.

نعم هو ذكر الله، ومن ذاق عرف.

ولذا أوصى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – معاذ بن جبل – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بوصية جامعة ينبغي أن نضعها نصب أعيننا.

قال: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ – مرتين – يا معاذ فَلَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" وقد تقدم شرح هذا الحديث.

وأما المساجد فإنها بيوت الله المقدسة، التي من زاره فيها أكرمه بنوره العظيم، وأعطاه ما يعطي السائلين من عباده المخلصين، وأظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورفع مكانته في الأولين والآخرين، وأعد له في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وعُمَّار المساجد هم خيرة الرجال وعظماؤهم وأسعد الناس بحياتهم.

قلوبهم مصابيح الهدى، وصدورهم منشرحة بذكر الله، ونفوسهم راضية مرضية، لا تبتغي سوى رضا الله بديلاً.

وقد وصفهم الله بالرجولة والزهد، والتقى والخشية من عذابه، ووعدهم وعداً كريماً في قوله جل شأنه: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة النور: 37-38).

وقد أشاد بذكرهم في قوله جل وعلا: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (سورة التوبة: 18).

والمساجد إنما تعمر بالصوات الخمس وتلاوة القرآن وسائر أنواع الذكر وتدريس العلم والاعتكاف وغير ذلك من أنواع العبادات، فهي ملاذ المؤمنين ومتنزههم، ومنتدى شوراهم، وملتقاهم الفكري والاجتماعي، فمن عظمها عظم الله قدره وأجره، ومن أسهم في بنائها ولو بقدر عش طائر بنى الله له بيتاً في الجنة.

وعند دخول الرجل إلى المسجد يقول الأدعية الواردة في ذلك، روى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي حميد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ" .


وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أَعُوذُ بِاللَّه الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ...فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" .

ويستحب الإكثار في المسجد من ذكر الله تعالى، بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، وكذلك الإكثار من قراءة القرآن، ومن المستحب فيه قراءة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الفقه، وسائر العلوم الشرعية، قال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [النور: 36].


روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ" . وفي رواية أخرى: "إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ". ويجتنب اللغو واللغط، والخوض في أعراض الناس، وكثرة الحديث في أمور الدنيا مما يقسي القلب، ويبعد عن الله.


 وإذا دخل المسجد يصلي ركعتين، وهما تحية المسجد لما روى البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ" [23].


 ولجلال المسجد فقد تم النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد، لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهاَ اللَّه عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا" [24].


وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّه تِجَارَتَكَ" .

اضافة تعليق