ما قصة "الأرض المقدسة" التي أمر موسى بني إسرائيل بدخولها فامتنعوا؟

الجمعة، 18 أكتوبر 2019 01:58 م
حكاية-الأرض-المقدسة-التي-أمر-موسى-بني-إسرائيل-بدخولها-فامتنعوا


نجى الله موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل، وأغرق فرعون وجنوده، وبدأت مرحلة جديدة من الحرية والخضوع لرب البرية، سار بهم موسى إلى الأرض المقدسة، في أول خطوة وأهم واجب عليهم، لتحريرها من الوثنيين العمالقة الجبارين من الكنعانيين.

لكن لما كان النصر والتمكين له أسباب ومقدمات كلها معنوية! ولا زال قوم موسى غير مهيئين لذلك ولم يكونوا على استعداد لهذه المهمة الكبرى العظيمة، لأن ما يتبعها خلافة في الأرض بدين الله، فأول اختبار بأصل مهم يقوم عليه الدين وهو التوحيد، رأوا قوما يعبدون صنما، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم وثنا يعبدوه، ( قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ).

ثم حصلت لهم عدة أحداث عظام، ذهب موسى لميقات ربه، فعاد وهو يحمل ألواح التوراة غضبان أسفا وقد عبد قومه العجل، ثم وقعت عدة معجزات وآيات خوارق، بعدها سار موسى بقومه باتجاه الأرض المقدسة.

أمر موسى قومه بالجهاد والقتال في سبيل الله، وتحرير تلك الأرض من الوثنيين، لأنها أرض مقدسة وأحق من يتعبد الله فيها، هم عباد الله المتقين، وهذا يكاد يكون آخر اختبار وامتحان لبني إسرائيل من بين سلسلة اختبارات فشلوا فيها.

بدأ موسى عليه السلام بتذكير قومه بالنعم التي أسداها وتفضل بها ربنا سبحانه وتعالى عليهم، لأهمية المهمة وعظم المكان المتجهين إليه، والقوم لهم سوابق في التنصل والتخلي والتراجع، قال تعالى( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ )،فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى. وقد أنعم عليهم بنعم ما كانت لغيرهم.فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه.

بعد هذا التذكير بنعم الله، أمرهم موسى بالقتال ودخول الأرض المقدسة، بطريقة فيها تطمين ويقين بأن الله سينصرهم، لأنه كتب عليهم ذلك، ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ).

يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة يعني: أرض بيت المقدس التي كانت مقدسة بمساكنة من مضى من الأنبياء. ثم تلوثت بمساكنة الأعداء من جبابرة الكنعانيين.

فأراد تطهيرها بإخراجهم وإسكان قومه التي كتب الله لكم أي: التي وعدكموها على لسان أبيكم إبراهيم، بأن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجره ولا ترتدوا على أدباركم أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا فتنقلبوا خاسرين أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة.

( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ).

إلا أن قومه ما استجابوا وقالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين أي: متغلبين ليس لنا مقاومتهم وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها أي: من غير صنع من قبلنا فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها فإن يخرجوا منها أي: بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فإنا داخلون.

يذكر أن عدد من كان معه قرابة ( 600 ألف ) ولم ينضم لموسى في القتال إلا هارون واثنين معه، قال تعالى( قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).

فكان جوابهم: ( قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ )[9]، فما أشنع هذا الكلام منهم، ومواجهتهم لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق، الذي قد دعت الحاجة والضرورة إلى نصرة نبيهم، وإعزاز أنفسهم.

فلما رأى موسى عليه السلام عنادهم وعتوهم وإصرارهم على الخذلان، دعا ربه لينتقم منهم، ( قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )، أي قال موسى باثا شكواه إلى ربه، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي يبلّغه عنه- إني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسي وأمر أخي ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره.

ونتيجة لهذا الخذلان وعدم الانصياع لأمر العزيز الديان على لسان موسى، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بالتيه، ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )، أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى وقت آخر.

بقي موسى عليه السلام في فترة التيه يدعو يأمر قومه بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وحصلت عدة معجزات منها قصة البقرة، ثم مات هارون في التيه وبعده بثلاث سنوات جاء ملك الموت ليقبض روح موسى عليه السلام ولما يدخل بيت المقدس، ولشدة تعلقه بتلك الأرض عندما أيقن أن الموت نازل به دعا الله أن يدفن بأطرافها.

أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( أُرسِلَ ملكُ الموتِ إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءهُ صَكَّهُ، فرجعَ إلى ربهِ، فقال: أرسَلْتني إلى عبدٍ لا يُريدُ الموتَ، فردَّ اللهُ عليه عيْنَهُ، وقال: ارجع، فقُلْ له يضعُ يدَهُ علَى متْنِ ثورٍ،فلهُ بكلِّ ما غطَّت بهِ يدُهُ بكلِّ شعرةٍ سنةٌ. قال: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموتُ. قال: فالآن، فسأل الله أن يُدْنِيَهُ مِن الأرضِ المُقَدَّسةِ رميةً بحجرٍ. قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكُم قبرَهُ، إلى جانبِ الطَّريقِ، عندَ الكَثيبِ الأحمَرِ).

بذلك تنتهي قصة كليم الله موسى عليه السلام، بدفنه في بيت المقدس تلك الأرض التي طالما تمنى دخولها وإقامة مجامع موحد يحقق العبودية، إلا أن حكمة ربانية بالغة حالت دون ذلك.

اضافة تعليق