"نعوذ بك من السلب بعد العطاء".. هذه أسباب زوال النعمة وطريقة إعادتها

الأربعاء، 16 أكتوبر 2019 01:27 م
520182723262812969244


من أصعب الظروف التي يمر بها الإنسان، وتكشف عن عدم رضا خالقه، هو زوال النعمة، فأقسى اللحظات التي يمكن أن يعيشها إنسان أن تسلب منه نعمة.

وتزداد هذه اللحظات قسوة عندما يكون الإنسان في حاجة إلى هذه النعمة، في الوقت الذي لا يستطيع الإنسان ان يعيش بدون هذه النعم التي وهبها الله لنا، وقال عنها: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، وحكى القرآن الكريم عن حب الإنسان للنعمة بقوله تعالى: "أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعيذ بالله من الحور بعد الكور، أي النقصان بعد الزيادة، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وأصحاب السنن، أنه قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ.



وحديث القرآن عن السلب بعد العطاء يعد درسًا للبخلاء، وعظة للأسخياء، فللفقراء الحق المعلوم وليست منة يعطيها الغني للفقير، بل إنه يسدد حقًا عليه، وإن منع الزكاة كمنع الصلاة، فهي ركن من أركان الإسلام الخمسة.

 ولقد صور القرآن هذه المسألة بشكل عام وأعطاها أمثلة من قصص الأولين، ففي سورة البقرة تحدث عن الصدقات وإحباطها بالمن والأذى وفي سورة الكهف تكلم عن صاحب الجنتين الذي قال للفقير أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، ثم أحاط الله بثمره واحترقت الجنة لأنه لم يشكر الله ولم يعط الحق المعلوم من هذا المال، وكذلك في قصة أصحاب الجنة الذين تخفوا في الليل لجمع الثمار كي لا يعطوا الفقراء، فكان عقابهم السلب بعد العطاء وأخذ الله منهم جنتهم وأصبحت كالصريم.

 أما قارون فسلب نعمة الحياة وخسف الله به وبماله الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين.



وقد يكون السلب بعد العطاء ابتلاءً للصالحين تمحيصًا لإيمانهم، وهذا ما حدث لنبي الله أيوب الذي علم البشرية درسًا في الصبر، ورأى أن ما أخذ منه من نعم أقل بكثير مما أعطاه الله، وكان كثير الشكر دائم الصبر.

 ويعلمنا الله أن عطاءه يزيد على الكريم الشاكر، ووعد فقال: (لئن شكرتم لأزيدنكم) وشكر النعمة لها طرق أهمها أن تعطي الفقراء حقهم المعلوم الذي حدده الله تعالى.

 أسباب زوال النعم وطريقة إعادتها

 المسلم الفطن لابد وأن يكون بصيرًا بأفعاله، فإذا أخطأ ولم يتب، عَلِمَ أن عقوبة الذنب آتية لا محالة، إلا أن يعفو الله عن فاعلها، وعلى هذا فليعلم العبد، أنه إذا ذهبت منه نعمة أن هذا بسبب ذنب من ذنوبه، وهذا يدعوه إلى أن يرجع إلى ربه ويتوب وينيب.

 والأمر الثاني؛ فليعلم أنه ما من محنة إلا ويجعل الله فيها المنحة، إما بسبب الصبر على المكروه، أو انتظار الفرج، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".

 وأما الثالث؛ فالعبد في كل أحواله لابد وأن يتعلق بالله تبارك وتعالى، في السراء والضراء؛ فالضر إذا نزل بالعبد، أو زالت منه نعمة، وبعد أن يحقق الأمرين السابقين؛ عليه أن يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عزوجل: "فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم". فإذا جاء البأس والضراء فعلى العبد أن يتضرع إلى الله تعالى لرفعه.

واعلم أنها لم تزل عنك إِلَّا لإِخلالك بالقيام بما يجب عليك من حقوقها، وهو الشكر؛ فإنَّ كل نعمة لا تُشكر جديرة بالزوال.

فمن شكر نعمة العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم وتغضّهما عن كل قبيح، إلى غير ذلك من أحكام النظر، فإن أنتَ أخذت تصلِّي كل ليلة ركعتين على شكر نعمة العينين؛ وأنت مع ذلك تستعملهما في النظر إلى المحرَّم، فلستَ بشاكرٍ هذه النعمة حقَّ شكرها.

ومن شكر نعمة الأذنين ألَّا تسمع حرامًا، وأن تستر كل عيب تسمعه؛ فإن أنت تصدَّقت بدرهمين شكرًا للَّه تعالى على نعمة الأذنين وهتكتَ كل قبيح سمعته، وأصغيت إلى كلِّ حرامٍ وَعَيته فلستَ من الشاكرين.

ومن شكر نعمة اللسان ألا يتحرك فيما حرم الله تعالى، وأن تستعمله فيما يعود عليك وعلى الناس بالخير، فإن أنت قمت بأداء الصلوات، فرضها ونفلها، ثم أنت مع ذلك لا تتورع عن الغيبة ولا النميمة والسب واللعن فلست من الشاكرين.

اضافة تعليق