Advertisements

"سهيل بن عمرو".. صاحب الثنية التي تنبأ بفضلها النبي

السبت، 12 أكتوبر 2019 02:18 م
سهيل بن عمرو.. صاحب الثنية التي تنبأ بفضلها النبي




أكثر قصص التحول من الباطل والشرك إلى الحق والتوحيد في ضرب المثل بأثر الطريق على صاحبه.. قصة سهيل بن عمرو.

كان سهيل بن عمرو قبل دخوله الإسلام من عتاة المشركين وكان أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم، ومفاوضها مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، أُسر يَوْم بدر كافرًا، وروي أن عمر قال وسهيل في الأسر: "يا رَسُول اللَّهِ، أنزع ثنيتيه، فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا؟" فقال: «دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده عليه»، فكان ذلك المقام أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما توفي ارتجت مكة، لما رأت قريش من ارتداد العرب، فقام سهيل بْن عمرو خطيبًا، فقال: "يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله إن هذا الدين ليمتدن امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إِلَى غروبهما..." إلخ، وثبتت قريش عَلَى الإسلام.

ولما فتح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم مكَّة دخل البيت ثم خرج فوضع يده على عضادتي الباب، فقال: «ماذا تقولون؟» فقال سهيل بن عمرو: "نقول خيرًا، ونظنُّ خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت". فقال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم».

وقد نزل في سهيل بن عمرو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128].

 وأورد الإمام البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [بعد غزوة أحد، حين آذاه المشركون وسال الدم من رأسه ووجهه صلى الله عليه وسلم] إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، وعن حنظلة بن أبي سفيان: سمعت سالم بن عبد الله يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام؛ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾".

فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء عليهم، وكان سيدنا سهيل رضي الله عنه من الذين تاب الله عليهم فأسلم وحسن إسلامه، وكان له مواقف مشهودة وجهاد عظيم خدمة للإسلام وطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عن سيدنا سهيل بن عمرو ونفعنا بسيرته وعمله.

وتحوّل المشرك اللدود .. الى مؤمن أوّاب، لا تكف عيناه من البكاء من خشية الله ، وتحوّل واحد من كبار زعماء قرسش وقادة جيوشها الى مقاتل صلب في سبيل الاسلام .. مقاتل عاهد نفسه أن يظل في رباط وجهاد حتى يدركه الموت على ذلك، عسى الله أن يغفر ما تقدم من ذنبه .



كيف كان سهيل وكيف أصبح؟

في أخريات العام الهجري السادس خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الى مكة ليزوروا البيت الحرام، وينشؤا عمرة، لا يريدون حربا، وليسوا مستعدين لقتال .. وعلمت قريش بمسيرهم الى مكة، فخرجت لتقطععليهم الطريق، وتصدّهم عن وجهتهم .. وتأزم الموقف، وتوترت الأنفس ..

وقال الرسول لأصحابه : " لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألونني فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها " ..  وراحت قريش ترسل رسلها ومندوبيها الى النبي عليه الصلاة والسلام، فيخبرهم جميعا أنه لم يأت لقتال، انما جاء يزور البيت الحرام، ويعظم حرماته : وكلما عاد الى قريش أحد مندوبيها، أرسلوا من بعده آخر أقوى شكيمة، وأشد اقناعا حتى اختاروا عروة بن مسعود الثقفي وكان من أقواهم وأفطنهم .. وظنت قريش أن عروة قادر على اقناع الرسول بالعودة ..ولكنه سرعان ما رجع اليهم يقول لهم : " يا معشر قريش .. اني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه .. واني والله ما رأيت ملكا قط يعظمه قومه، كما يعظم أصحاب محمد محمدا .. !! ولقد رأيت حوله قوما لن يسلموه لسوء أبدا .. فانظروا رأيكم ".. !!

عندئذ آمنت قريش أنه لا جدوى من محاولاتها وقررت أن تلجأ الى المفاوضة والصلح.. واختارت لهذه المهمة أصلح زعمائها لها .. وكان سهيل بن عمرو .

رأى المسلمون سهيلا وهو مقبل عليهم فعرفوه، وأدركوا أن قريشا آثرت طريق التفاهم والمصالحة، ما دامت قد بعثت آخر الأمر سهيلا .. وجلس سهيل بين يدي الرسول، ودار حوار طويل انتهى بالصلح .. وحاول سهيل أن يكسب لقريش الكثير .. وساعده على ذلك، التسامح النبيل والمجيد الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يديره في التفاوض والصلح .. ومضت الأيام، ينادي بعضها بعضا، جتى جاءت السنة الثامنة من الهجرة.. وخرج الرسول والمسلمون لفتح مكة بعد أن نفضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله ..وعاد المهاجرون الى وطنهم الذين أخرجهم بالأمس كارهين ..وفتحت مكة جميع أبوابها ..ووقف المشركون في ذهول .. ترى ماذا سيكون اليوم مصيرهم، وهم الذين أعملوا بأسهم في المسلمين من قبل قتلا، وحرقا، وتعذيبا، وتجويعا .. ؟!

ولم يشأ الرسول الرحيم أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة المنهكة ..فاستقبل وجوههم في تسامح وأناة، وقال لهم ونبرات صوته الرحيم تقطر حنانا ورفقا : " يا معشر قريش .. ما تظنون أني فاعل بكم " .. ؟؟ هنالك تقدم خصم الاسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال مجيبا : " نظن خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم " .

وتألقت ابتسامة من نور على شفتي النبي صلى الله عليه وسلم وناداهم : " اذهبوا ... فأنتم الطلقاء ".. !!.



لم تكن هذه الكلمات من الرسول المنتصر لتدع انسانا حيّ المشاعر الا أحالته ذوبا من طاعة وخجل، بل وندم ..وفي نفس اللحظة استجاش هذا الموقف الممتلئ نبلا وعظمة، كل مشاعر سهيل بن عمرو فأسلم لله رب العالمين.

ولم يكن اسلامه ساعتئذ، اسلام رجل منهزم مستسلم للمقادير ..بل كان كما سيكشف عنه مستقبله فيما بعد اسلام رجل بهرته وأسرته عظمة محمد وعظمة الدين الذي يتصرّف محمد وفق تعاليمه، ويحمل في ولاء هائل رايته ولواءه .. !!.


واذا كان ذهول المدينة، قد بدّده أبو بكر رضي الله عنه ساعتئذ بكلماته الحاسمة : " من كان يعبد محمد، فان محمدا قد مات .. ومن كان يعبد الله، فان الله حيّ لا يموت " ..فسيأخذنا العجب حين نرى سهيلا رضي الله عنه هو الذي وقف بمكة، نفس موقف أبي بكر بالمدينة ..فقد جمع المسلمين كلهم هناك، ووقف يبهرهم بكلماته الناجعة، يخبرهم أن محمدا كان رسول الله حقا .. وأنه لم يمت حتى أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة .. وأنه واجب المؤمنين به أن يمعنوا من بعده السير على منهجه ..وبموقف سهيل هذا، وبكلماته الرشيدة وايمانه الوثيق، درأ الفتنة التي كادت تقلع ايمان بعض الناس بمكة حين بلغهم نبأ وفاة الرسول .. !!وفي هذا اليوم أكثر من سواه تألقت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ألم يكن لعمر يوم استأذنه في نزع ثنيتي سهيل أثناء أسره ببدر : " دعها فلعلها تسرك يوما " .. ؟!.

ففي هذا اليوم .. وحين بلغ المسلمين بالمدينة موقف سهيل بمكة وخطابه الباهر الذي ثبت الايمان في الأفئدة، تذكر عمر بن الخطاب نبوءة الرسول .. وضحك طويلا، اذ جاء اليوم الذي انتفع فيه الاسلام بثنيتي سهيل اللتين كان عمر يريد تهشيمهما واقتلاعهما .. !!.

أبى سهيل بن عمرو أن يرجع إلى مكة بعد انتصار المسلمين بالشام وقال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة، خير له من عمله طوال عمره ..واني لمرابط في سبيل الله حتى أموت، ولن أرجع الى مكة " .. !! ووفى سهيل عهده ..وظل بقيّة حياته مرابطا، حتى استشهد في سبيل الله.

اضافة تعليق