فتنة توزيع الغنائم.. كيف عالجها النبي مع الأنصار؟

الإثنين، 30 سبتمبر 2019 02:14 م
فتنة توزيع الغنائم وكيف عالجها النبي مع الأنصار


أثارت شهدت فتنة توزيع الغنائم بعد غزوة حنين، جدلاً كبيرًا بين الأنصار، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتقسيم أربعة أخماس الغنائم على الجيش بكامله، ثم توزيع الخمس المتبقي على المُؤَلّفة قلوبهم من طلقاء مكة وزعمائها، وكذلك زعماء القبائل العربية المختلفة، وكان توزيعًا سخيًّا، فقد بلغ نصيب البعض مائةً من الإبل، وتجاوز هذا الرقم للبعض الآخر، وكانت العلة في ذلك هو عمل النبي على استقرار الدولة الإسلامية.

فوازن النبي صلى الله عليه وسلم بين مصلحة هذا الاستقرار وبين مفسدة حرمان المجاهدين الذين بذلوا الجهد، وكانوا سببًا مباشرًا في النصر يوم حُنَيْن، فوجد بعد الموازنة أن استقرار الدولة الإسلامية أثقل؛ لذا أعطى المؤلفة قلوبهم ومنع السابقين الأولين.

 فَلم يفهم الكثير من الصحابة هذا الموقف، وغضبت مجموعة منهم، بعد شعورهم بحرمانهم ما يستحقونه، وكانت هذه المجموعة من الأنصار، وغضب كثير منهم؛ لأن النبي لم يعطهم من الخمس المملوك للدولة مع أنه أعطى بسخاء مجموعةً حديثة العهد بالإسلام، مع أنهم ما قدموا شيئًا للإسلام، وما شاركوا في تأسيس الدولة الإسلامية.


وقبل ظهور الأنصار لم يكن للمسلمين وطن يجمعهم بل كانوا مشتتين في الأرض، فالبعض في مكة، والبعض الآخر في الحبشة، ومجموعة في القبائل، فجعل الله الأنصار سببًا في جمع شمل المسلمين، وفي إقامة الدولة الإسلامية، وذلك عندما استضافوا الرسول والمسلمين في مدينتهم.

ووصف الله الأنصار بصفة الإيثار، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

 حتى الفقير من الأنصار كان ينفق في سبيل الله، ويؤثر غيره على نفسه، وهو محتاج، وهذا ما طُبع عليه الأنصار بشهادة رب العالمين لهم.

 واشترك الأنصار في كل غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا الجانب الأعظم من الجيش في بدر أول مواقع المسلمين، وكان عدد المجاهدين في بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، كان الثلثان من الأنصار، واستمر الأمر على ذلك في باقي الغزوات المتأخرة التي ازداد فيها عدد المسلمين جدًّا، لكن في الغزوات الأولى كان معظم الجيش من الأنصار، ولهم من المواقف المشرفة في التاريخ ما لا يحصى، ومن أشهر المواقف موقف أُحُد لما فرّ بعض المسلمين وأحبط بعضهم، لكن ظل الأنصار ثابتين مدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن دين الله ، وفي الغزوة نفسها "حنين" استشهد سبعة من شباب الأنصار تحت أقدام النبي دفاعًا عنه، وضربوا في غزوة أُحُد أمثلة البطولة والفداء كسعد بن الربيع، وحنظلة، وأنس بن النضر، وعبد الله بن حرام، وخيثمة، وعمرو بن الجموح، وغيرهم -رضي الله عنهم جميعًا- ممن قدموا أنفسهم فداء للنبي من الأنصار، وبلغ شهداء الأنصار في غزوة أُحُد ستّةً وستين شهيدًا، وكان عدد الشهداء سبعين شهيدًا.

 فالأنصار هم رجال الأزمات، وفرسان المواقف الصعبة، فقالوا دون تردد: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك يا رسول الله، يا لبيكاه.

 وكان موقفًا في غاية الصعوبة ولافتًا للنظر، وقال بعض الأنصار بعد توزيع الغنائم: إن كان من أمر الله صبرنا، وإن كان من أمر الرسول استعتبناه.

ومع ذلك هذا الموقف لم يكن من عامة الأنصار، بل كان من بعض شباب الأنصار، وما يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن الذي قال هذا الكلام معلنًا اعتراضه، قال فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لِرَسُولِ اللَّهِ ، يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ.

وكان سعد بن عبادة موافقًا لهذا الرأي إلا أنه لم يبدِ ذلك، وهذا الكلام واضحٌ في رواية الإمام أحمد رحمه الله، عندما قال سعد بن عبادة لرسول الله: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، فقد قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيئًا.

فقال له النبي : "وَأَيْنَ أَنْتَ يَا سَعْدُ؟".

فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.



فأنا أشعر بما يشعرون به، وإن لم أُبْدِ ذلك. ونضع في حسباننا أن الأنصار بشر، وجُبِل البشر على حب المال، فإذا كان هذا المال حلالاً صرفًا، فما المانع من طلبه؟ خاصة إذا كنت سببًا في هذا المال، وهناك أمر آخر في غاية الأهمية، كان الأنصار يخشون أن يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويعيش في مكة المكرمة خير بقاع الأرض، وأحبّ بلاد الله إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وثارت الأنصار لما قسم النبي ، ومن قبل شهرين قال الأنصار ذلك الكلام في فتح مكة، وطمأنهم النبي أنه لن يبقى في مكة، وسيعود معهم إلى المدينة، وقال لهم: "الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".

فقد خافوا من تغير الأحداث، وأن النبي اتخذ رأيًا جديدًا، وأنه سيعود إلى مكة المكرمة، ولن يعود معهم إلى المدينة المنورة، وشعر النبي بما يدور في خَلَد الأنصار، فقد أكد النبي في حواره معهم على أنه سيعود إلى المدينة المنورة.

علاج الرسول لهذه الأزمة


لما يتغافل النبي النار التي تحت الرماد، وكان الموقف الشرعي والعقلي لرسول الله في توزيع الغنائم سليمًا تمامًا، وهو الأولى بلا جدال، بدليل أن الوحي لم ينزل بخلاف ذلك، ومع ذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حل الموقف من بدايته.

أراد النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينتشر هذا الأمر في عموم المسلمين، فكان الاجتماع مقتصرًا على الأنصار؛ لئلا يفتن بعضهم بالشبهة التي أثيرت، وحتى لا يأخذ المسلمون موقفًا سلبيًّا من الأنصار إذا تبين خطأ الأنصار، ولتبقى صورة الأنصار كما هي عند عامة الناس، فجاء رجال فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، وسمح بدخول الأنصار فقط، وبهذا حصر المشكلة في نطاق محدود، وفي بعض الروايات كما يُروى عن أنس أنه r سألهم تصريحًا: "أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟".

فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا.

فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "ابْنُ أَخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ".

وساعد على حل المشكلة حرصه صلى الله عليه وسلم على لقاء أصحاب المشكلة بنفسه؛ ليسمع منهم، ويسمعوا منه دون واسطة، وقد لا تنقل الواسطة الكلام كما قيل، وليس هذا تقليلاً من شأن الواسطة، بل إن شعور الجنود بالقرب من قائدهم يساعد في حل الكثير من المشاكل، ويساعد الحوار بين القائد والجنود على إخراج بعض القضايا التي يكتمها الجنود عادة، وهذا يساعد على احتواء الأزمة في بدايتها.

وعلل النبي صلى الله عليه وسلم بوضوح وصراحة الأمر الذي فعله أو تقسيمه للغنائم، ذكر لهم السبب الذي من ورائه أعطى هؤلاء وترك الأنصار، فقال رسول الله : "إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالاً حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ لأَتَأَلَّفَهُمْ بِذَلِكَ".

عالج النبي صلى الله عليه وسلم الأمر برفع الروح المعنوية لصاحب الأزمة، وإشعاره بقيمته، وإقناعه بتقدير القائد لموقفه وجهده، ولا يجحد فضله، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يرفع من قيمة الأنصار: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْوَلَصُدِّقْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلاً فَوَاسَيْنَاكَ، وَخاَئِفًا فَأَمَّنَّاكَ، وَمَخذُولًا فَنَصَرْناَكَ، وَمُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ".

ثم استخدم رسول الله وسيلة أخرى لعلاج هذه القضية، وحرَّك عواطف الأنصار ومشاعرهم المرهفة التي تميز بها الأنصار فقال: "أَلاََ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟".

إن كانوا هم قد رجعوا بالنوق والشياه، فقد رجعتكم برسول الله ، فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًّا؟! ثم أقسم فقال: "فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ".

ثم بدأ في الدعاء فقال: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ".

 فبكى القوم حتى أخضبت لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا.

اضافة تعليق