Advertisements

"جزاهم بما صبروا".. قصص من وحي "العبادة المؤلمة"

الأحد، 29 سبتمبر 2019 12:55 م
جزاهم بما صبروا


قال الله سبحانه وتعالى: "وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:12]، ‏ويقول أيضا: "{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}.

تدل أغلب آيات القرآن إن الجزاء الأعظم الذي وعد الله به المتقين إنما يكون على الصبر على العبادة، وليست العبادة نفسها، لأن الصبر هو مفتاح أي عبادة واجتهاد، فالصبر هو حبس النفس على طاعة الله، أو حبس النفس عن معصية الله، أو حبس النفس على أقدار الله المؤلمة.

وينقسم الصبر إلى ثلاثة أقسام هي:

الصبر على الطاعة - الصبر عن المعصية - الصبر على قدر الله.


والطاعة تحتاج لصبر عظيم خاصة في عصرنا هذا، فربما إذا كنت مطيعا لله مقيدا بدينه يسخر منك الكثير، ويعرضون بك في الكاريكاتيرات، ويعرضون بك في الأفلام والمسلسلات، ويسخرون من الذين آمنوا، ومن هيئاتهم ولحيتهم وثيابهم، فهؤلاءلا يتورعون في أن يتمضمضوا بأعراض الموحدين ليل نهار، وكلما نزلت إلى الصلاة سخروا منك، قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31].

 وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة في الصبر على الطاعة، والصبر على أقدار الله المؤلمة، أرسلت إليه يومًا ابنته تقول له: (يا أبت! إن ابني يحتضر الآن، فأريد أن تأتي، فأرسل إليها مع الرسول يقول لها: مرها أن تصبر وأن تحتسب، فحلفت أن يأتي، فجاءها وأخذ الولد على صدره وروحه تقعقع، فسكب الدموع حزنًا عليه، فقال له أحد الصحابة: ما هذا يا رسول الله؟! قال: تلك رحمة يجعلها الله في قلب من شاء من عباده).

وسُئل الإمام الشافعي رحمه الله : أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى ؟ فقال : ” لا يُمكّن حتى يُبتلى “.

موسى على حافة البحر

حشد موسى عليه السلام بني إسرائيل للتحرر من عبودية فرعون، وأقام الحجة على فرعون وملأه، وظل سنوات يناشده السماح لبني إسرائيل بالخروج، وتحوّلت قصة بني إسرائيل إلى قضية رأى عام، تعاطف معها بعض الفراعنة الذين آمنوا بنبوة موسى وعدالة قضيته، فلما  آيس من فرعون، تسلل مع بني إسرائيل في ليلة ظلماء، ومعهم الدليل ، لتصدمهم المفاجأة : البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، عندها نطق أصحابه بلهجة الواثق من الهزيمة اللّوام على قيادة التغيير : (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) ونطقوها بصيغة التوكيد، لأن الحسابات العقلية لا تقول غير ذلك.

فجاء رد المؤمن القوي الواثق بربه ليذكرهم بأهم عنصر تجاهلوه في معادلة النصر وهو  الثقة بالله فقال: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).

وعندها تنزّل النصر، ليكون نصراً سماوياً بحتاً، لا فضل فيه لأسبابهم التي اقترفوها، ليكون الفضل لله أولاً وأخيراً (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) البقرة:50.  فالله وحده هو الذي نجّاهم، وحسبها من آية لو كانوا يعقلون.

على شفير الغار

من أعجب الخطط وأكثرها دقة تلك التي حبكها النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة، وأعقد ما في الخطة اختياره لغار ثور في اتجاه اليمن (عكس المدينة)،وفي جبل مرتفع ونآءٍ وبعيد عن تفكير قريش، لكن الأقدار سحبت رجالات قريش إلى نفس المكان، هنالك تفاجئ أبو بكر الصديق فهمس في أذن النبي: ( لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا) “صحيح البخاري” ، حينها تبسم النبي وفهم الرسالة الربانية الكامنة في مجيئ القرشيين، فقال لأبي بكر : (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما). لقد أدرك لتوه أن عناية الله ورحمة الله هي الحاسم في حمايته، وأن جهوده تبخرت في لحظة واحدة، وما ثم إلا عبودية واحدة ستنقذ الموقف هي “الثقة بالله”؛ فكان التجسيد الأمثل لها صلوات ربي وسلامه عليه.

صلاح الدين الأيوبي على درب الصبر

ومن طريف القصص ما روي عن القائد صلاح الدين الأيوبي إذ أدى انتصاره على الصليبين في حطين إلى تأجيج ثورة مضادة في عموم أوروبا، قرر إثرها ملوك أوروبا إطلاق حملة صليبية ضخمة كي تلتهم الشرق، وكان أقواها جيش الألمان بقيادة “فريدريك بارباروسا”. تناهت إلى مسامع صلاح الدين تلك الأنباء، فبادر إلى عقد الصلح مع الصليبين في الساحل، لكن العاصفة كانت أكبر من مساعي صلاح الدين، فشعورهم بالتفوق جعلهم يعدون العدة لاجتياح الشام برمتها، فرد على تهديدهم بلهجة الواثق من ربه وحرض المؤمنين على الثبات، وما هي إلا أيام يسيرة حتى بلغته وفاة ملك الألمان فخر لله ساجداً، وعندها تجاوب الصليبيون لمساعي التهدئة.

ففي لحظة الاستئياس، ينخلع القلب عن الأسباب، ويجثوا بين يدي الله منتظراً الفرج (مَتَى نَصْرُ اللَّـهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ).

اضافة تعليق