"دقة بدقة".. الجزاء من جنس العمل

السبت، 28 سبتمبر 2019 01:31 م
دقة بدقة


يحكى أن تاجرًا ذا صيت وشهرة عالية بين التجار كان يعمل ببيع وشراء الذهب، وكانت كلما تدخل إليه امرأة لا يتورع عن مغازلتها وإلقاء الكلمات المعسولة على أذنها حتى تخرج من عنده، وكان يشعر دائمًا أنه لا يوجد حرج فيما يفعله فهو يقدر زبائنه ويمدحهم، ونسى أن الله حرم على المسلمين الكلام مع النساء لغير الضرورة وفي حدود الأدب والمعروف كما أن عادتنا العربية تدعونا إلى احترام المرأة والتأدب معها.

وفي أحد الأيام وبينما هو جالس في دكانه وجد سيدة أرادت شراء بعض الأساور الذهبية، وبالفعل جلست تختار منها وهي في غاية التحفظ والأدب، وعندما اختارت إحداها جلست تلبسها في يدها لتجربها فلم تستطع، فعرض عليها التاجر المساعدة، وبينما هو يساعدها في إدخال الأساور حتى ضغط بيديه على يديها بطريقة غير مؤدبة تنم عن المغازلة، فما كان من المرأة إلا أن قامت فزعة وتركت الأساور وغادرت المحل وهي في حالة كبيرة من الغضب، جلس بعدها التاجر يضحك ولم يلتفت إلى غضب المرأة من أفعاله.

بعد انتهاء اليوم عاد التاجر إلى بيته كعادته فوجد زوجته منهارة في البكاء فسألها عن السبب والسر وراء كل هذا البكاء فأجابته والدموع منهمرة من عينيها، أنها اعتادت كل يوم أن يأتيها السقا لملء الجرار بالماء، وفي كل يوم يأخذ منها الجرار بمنتهى الأدب وبدون أي مضايقة ويرجعها مرة أخرى إلا اليوم، فعندما هم لأخذ الجرار قم بفعل غريب فسألها الزوج ماذا فعل ؟، فأجابت قام بمغازلتي وضغط على يدي أثناء مناولته الجرار فما كان مني إلا أن طردته، وأغلقت الباب في وجهه ولم أستطع بعدها القيام بأي عمل في المنزل فقد أحست بالإهانة من ذلك السقا عديم الأدب.

بعد استماع التاجر لزوجته تذكر المرأة التي كانت في دكانه في الصباح وكيف أنه فعل نفس الفعلة بها وأن رد المرأة كان مماثلاً لرد زوجته فقال قولته المشهورة: "دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا"، فقد علم جيداً انه لو كان تمادى في أفعاله مع المرأة، كان السقا زاد في فعلته.


نعم الجزاء من جنس العمل، فإذا أنت أحسنت، لاشك سيحسن الله إليك، تأكيدًا لقوله تعالى: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ » (الرحمن: 60).

لذلك من كان عمله في الدنيا هو البعد عن طريق الله عز وجل، فكيف له أن يطلب نهاية طيبة، فهذا محال.

قال تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى » (طه: 124، 126).

فالله عز وجل حاشاه أن يظلم أحدًا أبدًا، وإنما الناس أنفسهم يظلمون، قال تعالى: «الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ » (النحل: 88).

لذا كل ما يفعله الإنسان يجنيه لاشك يومًا ما، قال تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ » (الشورى: 30).

لكن من قدم في حياته الدنيا الخير وسار على الطريق المستقيم راعى الله عز وجل في كل خطواته، مؤكد نهايته ستكون طيبة، تأكيدًا لقوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ » (الشورى: 23).

اضافة تعليق