لماذا يسر الله دخول النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره؟

السبت، 28 سبتمبر 2019 12:32 م
62019316537409188875




عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لما خلق الله الجنة قال لجبريل : اذهب فانظر إليها فذهب، فنظر إليها ثم جاء فقال : أي رب و عزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها . ثم حفها بالمكاره ثم قال : يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال أي رب و عزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد . قال فلما خلق النار قال يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال : اي رب و عزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال : يا جبريل اذهب فانظر إليه ا فذهب ثم جاء فقال : أي رب  وعزتك لقد خشيت أن لا يبقي أحد إلا دخلها".


سؤال يتبادر إلى ذهن الكثير من المسلمين: لماذا يسر الله دخول النار بالشهوات وملذات الدنيا من خلال حب النساء والمال وشرب الخمر وغيرها من الشهوات التي يقع فيها الإنسان، وصعب دخول الجنة من خلال العبادات التي أمر الله بها سبحانه وتعالى واختبار صبر المؤمنين بالابتلاء؟

 وعلى الرغم من كون الإجابة تتبادر على مسامع الكثير من خلال تجاربهم الحياتية، بأن كل سلعة في الدنيا غالية، فكان من الأولى أن تكون سلعة الله هي الأغلى.

 فإذا كان الإنسان يسعى أعمارًا طويلاً لكي يحصل بعض راحته في الدنيا، بل أنه قد يعاني ويتعرض للإهانة من أجل مشاهدة بعض متاع الدنيا بالنسبة له، كمشاهدة مباريات كرة القدم في الاستاد، او الأفلام في دور السينما، فنجد الكثير من الشباب يتعرضون للضرب والإهانة والتزاحم على شباب التذاكر، وقد يموت بعضهم كما حدث في مناسبات عديدة، بالرغم من كون المتعة إذا فقدت الراحة فيها تتحول إلى عذاب حال عانيت من أجل تحصيلها، كما في مثال حضور مباريات كرة القدم، ومع ذلك يتقاتل عليها الشباب، مرار وتكرارا رغم العذاب والمخاطرة التي تؤدي إلى الموت.

 فإذا كان الإنسان يقاتل من أجل الحصول على تذكرة مباراة كرة القدم، أو يلتقط الصور مع هذا الفنان أو لاعب كرة القدم الفلاني، وهي سلعة رخيصة لا تستحق المخاطرة، فما بالنا بالجهاد من أجل الفوز بالجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

 لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ».


فالْمَكَارِهِ هي الأمور التي تكرهها النفس لمشقتها ، فلا يصل إلى الجنة أحدٌ إلا إذا تجرَّع من غصص هذه المكـاره التي تحيط بها ، فالطريق إليها ليس سهلاً, بل هو طريق وعـرٌ محفـوف بالمتاعب والآلام والدموع والعرق والدم والتضحيات, وبذل كل ما في الوسع, ليس طريقًا مليئًا بالمتع والشهوات والنزوات, فمن أراد الجنة ونعيمها فليوطِّن نفسه لتحمل هذه المكاره التي حُفت بها الجنة والتي ينبغي على من يريد الجنة أن يؤديها ويقـوم بها خير قيام كالصبر على المحن والبلايا والمصائب, والصبر على الطاعـات التي تشق على النفس كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك.

 ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل جبريل عليه السلام عندما رأى ما أعده الله تعالى من النعيم المقيم لعباده في الجنة, ظنّ أن كل من يسمع بالجنة ونعيمها سيعمل من أجل أن يدخلها, لذا قال" فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها".

بعد أن قال جبريل عليه السلام ذلك, أمر الله تعالى بالجنة فحفّت بالمكاره, ثمّ قال لجبريل: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها, فرجع إليها, فإذا هي قد حفّت بالمكاره .فعلم بذلك أنّه لم يعد الطريق إليها سهلاً, بل هو طريق وعـرٌ محفـوف بالمتاعب والآلام والدموع والعرق والدم والتضحيات, وبذل كل ما في الوسع, ليس طريقًا مليئًا بالمتع والشهوات والنزوات, فمن أراد الجنة ونعيمها فليوطِّن نفسه لتحمل هذه المكاره التي حُفت بها الجنة ـ وهي الأمور التي تكرهها النفس لمشقتها ـ فلا يصل إلى الجنة أحدٌ إلا إذا تجرَّع من غصص هذه المكـاره التي تحيط بها, ففي الحديث الشريف قد شبه حال التكاليف الشاقة على النفس ـ التي حُفت بها الجنة ـ والتي ينبغي على من يريد الجنة أن يؤديها ويقـوم بها خير قيام كالصبر على المحن والبلايا والمصائب, والصبر على الطاعـات التي تشق على النفس كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك.


فلا شك أن الجنة تحتاج إلى جهادٍ طويل شاق, وصبر دائم, كذلك الجنة لا ينالها ويحظى بنعيمها الدائم إلا من تخطى شدائد دنيــاه, مجاهدًا نفسه, صابرًا على ما يصيبه, راضيًا بقضاء الله تعالى, قائمًا بتكاليف الإسلام خير قيام, مضحيًا بالنفس والمال في سبيل نيل مطلوبه, فالجنة هي الثمن الذي اشترى الله به نفوس المؤمنين وأموالهم, قال تعالى: ( إنّ اللهَ اشترى من المؤمنين أنفُسَهمْ وأموالَهمْ بأنَّ لهمُ الجنّة".


أما النار فقد جعلت سهلة ورخيصة من خلال شهوات زائلة، مثل شرب الخمر، تهواه النفس وتميل إليه؛ ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإ‌نسان هذا الحجاب وشرِب الخمر، وكذلك حب النساء والافتتان بهم والزنا، وحب المال فالاندفاع نحو السرقة والرشوة حال الافتتان به ايضا، فإذا سرق الإ‌نسان بدافع شهوة حبِّ جمع المال، رغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتَك هذا الحجاب، فقد يصل إلى النار.


ومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس، فيفعله الإ‌نسان، فيَهتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فقد يدخل النار.

لذلك الباطل محبوب للنفس، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإ‌نسان هذا المكروه، وأكره نفسه الأ‌مارة بالسوء على فعل الواجبات، وعلى ترك المحرمات - فحينئذ يصل إلى الجنة؛ ولهذا تجد الإ‌نسان يستثقل الصلوات مثلًا، ولا‌ سيما في أيام الشتاء، وأيام البرد، ولا‌ سيما إذا كان في الإ‌نسان نوم كثير بعد تعبٍ وجهد، فتجد الصلا‌ة ثقيلة عليه، ويكره أن يقوم ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب، وقام بهذا المكروه، وصل إلى الجنة.



 وكذلك النفس الأ‌مارة بالسوء، تدعو صاحبها إلى الزنا شهوة، وتحبه النفس الأ‌مارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها، وأكرهها على تجنُّب هذه الشهوة، فهذا كره له، ولكن هو الذي يوصله إلى الجنة؛ لأ‌ن الجنة حُفَّت بالمكاره.

 وأيضًا الجهاد في سبيل الله مكروه إلى النفس: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].


كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد على النفوس، شاقٌّ عليها، وكل إنسان يتهاون فيه ويكرهه، يقول: ما عليّ بالناس؟ أتعب نفسي معهم، وأتعبهم معي؟! ولكنه إذا كسر هذا المكروه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، فإن هذا سبب لدخول الجنة، وهلمَّ جرًّا، كل الأ‌شياء التي أمر الله بها مكروهة للنفوس، لكن أكْرِه نفسك عليها؛ حتى تدخل الجنة.


 فاجتناب المحرمات مكروه إلى النفوس، وشديد عليها، لا‌ سيما مع قوة الداعي، فإذا أكرَهت نفسك على ترك هذه المحرمات، فهذا من أسباب دخول الجنة، فلو أن رجلاً شابًّا عزبًا، في بلا‌د كفر وحرية، فيها يفعل الإ‌نسان ما شاء، وأمامه من النساء الجميلا‌ت فتيات شابات، وهو شاب عزب، فلا‌ شك أنه سيعاني مشقة عظيمة في ترك الزنا؛ لأ‌نه متيسر له، وأسبابه كثيرة، لكن إذا أكْره نفسه على تركها، صار هذا سببًا لدخول الجنة.




اضافة تعليق