Advertisements

هل قول صدق الله العظيم بعد قراءة القرآن بدعة؟

الأحد، 22 سبتمبر 2019 11:01 ص
9201819104241695283092


ما حكم قول: (صدق الله العظيم) بعد الانتهاء من تلاوة القرآن الكريم؟

أجابت دار الإفتاء المصرية بأن قول: (صدق الله العظيم) بعد قراءة القرآن جائزٌ ولا شيء فيه، بل هو من جملة المستحبات.

والدليل على ذلك: أن قول: (صدق الله العظيم) مطلق ذكر لله تعالى؛ وقد أُمِرنا بذكر الله تعالى بالأمر العام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، وبالأمر الخاص في خطاب الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ [آل عمران: 95].

والربط بين قراءة القرآن الكريم وبين هذا الذكر في نهايته لا مانع منه شرعًا؛ إذ هو عبادة أضيفت إلى أخرى.

ولا يقال: إن هذا إحداث في الدين ما ليس منه، بل هو إحداث فيه ما هو منه، وهذا يُفهم من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؛ ففي "صحيح البخاري" عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ».

فهذا صحابي يدعو بما لم يَسبق بخصوصه بيان نبوي فيُقِرُّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يُنكر عليه، بل بشَّره بأنه رأى الملائكة يتنافسون على كتابتها. ولا يُقال: إن هذا كان وقت تشريع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم يرشدهم، أما الآن فلا؛ وذلك لأنه لم ترد في سياق الحديث أيُّ قرينة تشير إلى ذلك: حالية أو مقالية، فالحالية؛ كغضب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصفه راوي هذا الحديث من تجرؤ هذا الصحابي الإتيان بذكر لم يُعلِّمه إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والمقالية؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أحسنت ولا تعد.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 287، ط. دار المعرفة): [واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور] اهـ.

أقوال العلماء:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أن من قال في صلاته: «صدق الله العظيم» بعد الانتهاء من التلاوة فإنَّ صلاته لا تبطل إن قصد الذكر.

فيُفهم مما سبق كله عدم المنع: لا في الصلاة، ولا خارجها أيضًا؛ لأن ما جاز في الصلاة جاز خارجها من باب أولى، فاللائق بالصلاة الاقتصار على الذكر الوارد، ولكن لَمَّا جاز قول هذا في الصلاة بقصد الذكر جاز خارجها بالأولى.

ومما يستأنس به أيضًا من كلام العلماء في هذه المسألة: ما ذكره الإمام القرطبي في مقدمة "تفسيره" أن الحكيم الترمذي تحدث عن آداب تلاوة القرآن الكريم وجعل منها أن يقول عند الانتهاء من تلاوته: (صدق الله العظيم)، أو ما يؤدي هذا المعنى. ونص عبارته في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 27-28، ط. دار الكتب المصرية، القاهرة): [ومن حرمته -أي القرآن- إذا انتهت قراءتُهُ أن يُصَدِّقَ ربَّهُ، ويشهد بالبلاغ لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويشهد على ذلك أنه حق، فيقول: صَدَقْتَ ربنا وبلَّغَتْ رُسُلُك، ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، ثم يدعو بدعوات] اهـ.

ولا يُعترض بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل هذا الأمر، وهو قول: (صدق الله العظيم)؛ لأن مجرد الترك لا يقتضي حرمة بمفرده، ولا بد معه من دليل آخر، والمقرر أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر من الأمور لا يدل بالضرورة على تحريمه؛ فقد يتركه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه حرام، وقد يتركه لأنه مكروه، وقد يتركه لأنه خلاف الأولى، وقد يتركه لمجرد أنه لا يميل إليه؛ كتركه أكل الضب مع أنه مباح، ومن ثَمَّ فليس مجرد الترك بحجة في المنع.

ولا يقال أيضًا أن قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ [آل عمران: 95]، ليس في هذا الشأن، وإنما أَمَرَ الله عزَّ وجلَّ رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يُبَيِّن صدق الله فيما أخبر به في كتبه التي أنزلها كالتوراة وغيرها، وأنه تعالى صادق فيما بَيَّنَه لعباده في كتابه العظيم، ومن ثَمَّ فليس في هذا دليلٌ على استحباب قول ذلك بعد الانتهاء من قراءة القرآن الكريم.

وذلك لأن هذا من فهم الجملة القرآنية بمعناها الذي وردت له بدون اعتبار سياقها ما لم يخالف هذا الفهمُ السياقَ أو يناقضه أو يضاده، وهناك من العلماء من اعتبر هذا في الاستدلال؛ فقد استدل الإمام الشافعي رضي الله عنه على حجية الإجماع وتحريم خرقه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، مع أن سياق الآية في أحوال المشركين، فالمراد من الآية مشاقة خاصة، واتباع غير سبيل خاص، ولكن الإمام الشافعي جعل حجية الإجماع من كمال الآية. يُنظر: "التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور، المقدمة التاسعة: (في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بهـا) (1/ 96، ط. الدار التونسية للنشر، تونس).

ومن ذلك أيضًا: استدلال الفقهاء على القياس بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، مع أن الآية الكريمة تتحدث أصلًا عن أمر آخر؛ فهي تتحدث عن إجلاء بني النضير عن ديارهم مع ما كانوا عليه من المنعة والحصون والعدة. وهذه آية من آيات تأييد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغلبته على أعدائه.

وتذييل الآية الكريمة بهذه الجملة للاعتبار بما حدث لبني النضير، وأن الله تعالى أتاهم من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، وجعلهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.

وبناءً على ما سبق: فإن قول: (صدق الله العظيم) بعد قراءة القرآن جائزٌ شرعًا ولا شيء فيه، بل هو من جملة المستحبات.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اضافة تعليق