للمتكبر بسلطان المال.. إن لم تتعظ من قصة "قارون" فبمن تعتبر؟

الأحد، 22 سبتمبر 2019 09:52 ص
للمتكبرين بسلطان المال.. هذه قصة قارون وهذه نهايته


يتكبر الكثير من الناس في وقتنا الحاضر بأموالهم، ويتسلطون به على الفقراء والمساكين، بدلاً من أن يخرجوا إليهم زكاته وصدقته لتطهيره، حتى أصبحت شهوة المال هي القانون الذي يتحاكم إليه الناس، وليس المعروف بينهم، وما أمرهم الله سبحانه وتعالى ليسعدهم في الدارين الدنيا والآخرة.

وضرب الله سبحانه وتعالى مثالاً عظيمًا في قصة قارون للتحذير من سلطان المال، والافتتان به، حيث كان قارون في بداية حياته صالحاً ، يترنم بالتوراة ترنماً ، وكان قارون من قوم سيدنا موسى عليه السلام ، لكنه تجبر وطغى وبغي عليهم ، فقد رزقه الله مالاً كثيرًا ، فتكبر على قومه ، وأضاع حق الله في ماله إنه قارون الطاغية .

ويقول الله تعالى في كتابه الكريم مذكرا بقصة قارون: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} سورة القصص ، الآيات 76-83.

منح الله سبحانه وتعالى ، قارون هذا من الذهب والفضة والمعادن والكنوز ما لم يؤتى لغيره من قبل ، فقد كانت مفاتيح كنوزه لا يقدر على حملها عشرة أفراد ، وكان لديه قصر عظيم ، ولديه من الخدم والحرس الكثير والكثير ، ولكنه ورغم كل ما امتلك من خير ، لم ينفق شيئًا في سبيل الله ، ولم يعطي للفقراء حقهم في ماله ، وقال أنا من جمعت هذا المال وهو لي .

 فأتاه الصالحين من قومه وحذروه ، أن هذا مال الله ، وكما أعطاه من الممكن أن يسلبه ، وحذروه من الغرور والكبر ، والفرح بنفسه وبماله لأن الله لا يحب الفرحين ، وذكروه بالأمم التي أهلكها الله ، وطلبوا منه أن ينفق من ماله شيئًا لله ، ويتمتع بما بقي منه ، ولكن غشاوة القلب أغرقت قارون ، ولم يستمع ، ولم يستجب .

 خرج قارون في زينته وأمواله وكنوزه إلى الناس ليفتخر بها أمامهم ويتكبر عليهم ، فيلبس أحسن الثياب ، وأجمل الحلي ، ويخرج في حاشيته ليراه الناس ، ويتحسروا على فقرهم ، وحالهم ، ويتمنون لو كانوا أوفر حظاً .

 وانقسم الناس من حوله إلى قسمين : قسم تعلق قلبه بالحياة الدنيا ، أخذ يحسد قارون على حظه العظيم ، ويتمنى ما عند قارون ، أما القسم الثاني فهم أهل العلم الذين تعلقت قلوبهم بالآخرة ، فلم يفتنوا في ملك قارون ، وأخذوا يحذرون غيرهم مما هم فيه ، ويذكرونهم بثواب الله العظيم ، وأن الآخرة أفضل من الدنيا بجمالها وفتنتها .

وحينما خرج قارون في زينته بين قومه ، ومعه كنوزه وأمواله ، كعادته التي اعتاد عليها ؛ ليجعلهم يندبون حظهم ، ويشعر هو بخيلائه وغروره ، ولكن فجأة جاء وعد الله وعقابه ، وحانت لحظة العذاب .

اهتزت الأرض من تحت قارون ، والجميع أخذ يهرب ، الحرس يهربون ، الخدم يفرون ، الناس ينفضون من حوله ، الكل ينجى بنفسه من هول ما يحدث ، ولكن قارون ظل واقفا يريد كنوزه التى عاش يفخر بها ، ينادى حراسه لا أحد يجيب ، ينادي خدمه لا أحد يجيب ؛ فقد نزل أمر الله عز وجل .

وانشقت الأرض بقارون وخسف الله به وبقصره الأرض ، فهي جند من جنود الله أمرها الله أن تدفن قارون بجبروته ، وسلطانه ، وماله في ثراها ففعلت ، وتعجب الناس من هول الفاجعة ، وأخذوا يحمدون الله على ما هم به ، ويقولون الحمد لله أنه لم يعطنا مثل ما أعطى هارون ؛ حتى لا نكون من الهالكين .

ليعلم الناس المفتتون بمال قارون ونحن من بعدهم أن كل هذا زائل ، المال زائل ، والملك زائل ، ولا تبقى إلا طاعة الإنسان وعمله ، فالمال فتنة لأصحابه ، وقد كرم الله سبحانه وتعالى الفقراء المؤمنون ، وجعلهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة ، فالمؤمن الفقير عند الله أفضل من المؤمن الغني.

اضافة تعليق