Advertisements

خطبة الجمعة غدًا.. "الكبر" داء عضال ينخر عظام الأمة

الخميس، 19 سبتمبر 2019 09:25 م
vvfff

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لكل خير وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده؛ واحدٌ بلا شريك، قهّارٌ بلا منازع، قويٌّ بلا ظهير، عزيزٌ بلا نصير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد التقي النقي الفتيّ الوليّ، وعلى آله وصحبه، وعنّا معهم برحمتك وكرمك يا أكْرَمَ الأكْرمين، وبعـد:

فيقولون (للشرّ بابٌ، والكبر مفتاحه) وهذا حقٌّ لا شكّ فيه؛ فمن ابتُلِي بالكبر صار اقترابه من كل معصية وارد.. وأضحى عقله عن عبودية ربه شارد.. ولخطورة هذه الصفة التي أطلّت على الدنيا بشرّها وضررها: يأتي حديثنا اليوم عن أخطر صفة يمكن أن يتصف بها الإنسان، فكم أهْلكت أصحابها.. وعرّضتهم لغضب الجبار سبحانه.. إنها صفةٌ مَن اتَّصف بها فقد صار رفيقًا للشّيطان في درْبه.. إنها صفة الكبر!!


ويأتي الحديث اليوم تحت العناصر التالية:
ما هو الكبر؟
لماذا يتكبر الإنسان؟
نار الكبرتحرق أصحابها في الدنيا والآخرة.
جنّة التواضع ولذته.


روشتة عملية لصناعة التواضع في حياتنا..
أولا: مفهوم الكِبــر الذي ذمّه الإسلام:
والكبر هو شعور خادع بالاستعلاء، مصحوب باحتقار الناس والترفع عليهم، فهو انفعال داخلي يعتري قلب صاحبه، كما قال الله تعالى: "إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ" وما يظهر من سلوكيات المتكبر ترجمة لهذا الانفعال الداخليّ المقيت..
ولقدذمّ الإسلام الكبر لأنه يجعل صاحبه يحتقر ما حسّنه الله وجمّله وخلقه في أحسن تقويم وهو (الإنسان). ويحدث الكبر لنسيان الإنسان لحقيقة نفسِه وحقيقة خلقه..
ثانيًا: لماذا يتكبّر الإنسان؟
لتكبّر الإنسان أسباب، أشيرُ إليها هنا سريعًا:
فمن الناس منيتكبر لمنصبه ووجاهته وظيفته؛كحال فرعون وهامان وجنودهما..
ومنهم من يتكبر لماله الذي تملّكه؛ كحال قارون -الذي ظنّ أنّ ماله يخلّده ويجلب له السعادة- حتى خسف الله به وبداره الأرض..
ومنهم من يتكبّر بحسبه ونسبه؛ كمثل حال الوليد بن المغيرة يوم أنّ ظنّ أن ماله وولده سيغنيه ويرفعه درجات؛ حتى قال الله في شأنه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 11 - 17].وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أبا ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَاوَلْتُ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، فَغَضِبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ:«يَا أبا ذر، لَيْسَ لِابْنِ الْبَيْضَاءِ عَلَى ابْنِ السَّوْدَاءِ فَضْلٌ». فَقَالَ أبو ذر: فَاضْطَجَعْتُ وَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: قُمْ فَطَأْ عَلَى خَدِّي.فَانْظُرْ كَيْفَ نَبَّهَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَابَ وَقَلَعَ مِنْ نَفْسِهِ شَجَرَةَ الْكِبْرِ إِذْ عَرَفَ أَنَّ الْعِزَّ لَا يَقْمَعُهُ إِلَّا الذُّلُّ.

ومنهم من يتكبر بولده وقرابته؛ كمثل صاحب الجنّتين حين تكبّر على صاحبه، كما حكت الآيات: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34]، ولذا ردّ عليه صاحبه المتواضع قائلا: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 37 - 40].

ومنهم من يتكبر بحُسنِه ووضاءته.. وأغلب وقوع ذلك في عالَم النساء.. والعجيب بأي شيء يتكبر هذا الجميل؟ وهو الذي خرج من البول مرتين؛ نعم فكم يزداد عجب المرء من تكبّر بعض الناس وقد خرجوا من مجرى البول مرتين؛ مرة بشهوة من الرجل، وبدفعة من المرأة عند الولادة. يتكبّرورائحة غائطه معلومة معروفة، يتكبّر وباطنه مليء بالقاذورات..

ومنهم من يتكبر لشهرته بين الناس..ومنهم من يتكبر لطاعته وعبادته.. ومنهم من يتكبر لعلمه وثقافته: كحال عالِــمِ اليهود الذي ورد في سورة الأعراف؛ قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]..

والغريب أنك ربما تجد من يتكبر بالمعصية والفسوق؛ قال ابن قدامة المقدسي: (في الجملة، فكلُّ ما يمكن أن يُعتقد كمالًا- وإن لم يكن كمالًا- أمكن أن يتكبر به، حتى الفاسق قد يفتخر بكثرة شرب الخمر والفجور؛ لظنِّه أنَّ ذلك كمال.. وهكذا تتعدد أنواع الكبر، وتختلف أسبابه في حياة البشر..


ثالثًا: نار  الكبرتحرق أصحابها في الدنيا والآخرة:
إنّ الإنسان الذي يترفّع على الناس هو شقيق إبليس؛ فلقد كان إبليس أول من تكبّر وتغطرس وتعالى على ربه الكبير المتعال؛ قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
وكان من كِبْرِه أن قال -بكل كبرياء- لمولاه الذي خلقه: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}؟ [الإسراء: 61] وهو قياس خاطئ؛ حيث ظن أن النار أفضل من الطين.. فأستاذ المتكبرين وقائدهم هو إبليس الذي لعنه الله وطرده من رحمته على كبره وحسده لآدم عليه السلام.. قال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34] أي: اخرج من المنزلة والكرامة التي كنت عليها ضمن الملائكة من العبودية..
ولأن إبليس لا يهدأ ولن يهدأ حتى يضل غيره فلقد توارثت أجيال شذّت عن أمر ربها طريقته في حسدها لغيرها وتكبرها على من دنا منهم في مال أو لون أو منصب أو سلطة أو هيئة..

ومن بين ورثته النمرود المتكبر الذي حاجّ الخليل في قضية الألوهية، وقال: "أنا أُحيي وأُميت" وبُهت حين انتصر عليه إبراهيم في المحاجّة.. حين طلب منه أن يأتي بالشمس من المغرب.. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].

ومن بين ورثة إبليس فرعون الطاغية الذي تكبر على القوم كبرًا وصل للكفر والتعالي على ألوهية الله؛ فقال للناس: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] كما ردّد بكل كبرياء: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْـرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 51، 52] فأغرقه الله في باطن البحر الذي تفاخر بأنه يمتلك ماءه ويتملّك جريانه.

ومن بين ورثته-كما سبق- قارون الذي تكبر بماله وقال للقوم حين نصحوه: "{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] فكانت نتيجته: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 81] فليحذر الناس من الأنا والعندية ولي.. فكم أهلكت ودمّرت من بشر..

ومن بين ورثة إبليس تلك الأمم التي تكبرت على أنبيائها، وقالت: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47].
وقد توارثت قريش هذه النبرات، فقالت:{لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] يعني مكة والطائف.. تكبُّر عجيبٌ على الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم، وما كان ذلك إلا حسدًا وبغيًا..
مخاطر الكبر وآثاره:
الكبر حجاب بين العبد وربّه؛ بحيث لا يجد المتكبر لذّة في تلقي كلام ربه ونصيحة أهل العلم والدين، قال تعالى:
الكبر نزاع لله في صفة من صفاته، ومن نازع الله تعالى في صفته نال الخيبة والخسـران؛ كما أن المتكبر يصير في حرب مع الله بسبب كبره -وتخيل حربًا صار الله تعالى القوي في أحد طرفيها-قال سفيان بن عيينةt ورحمه الله: ((من كانت معصيته في شهوة فأرجوا له التوبة فإن آدم -عليه السلام- عصى مشتهيا فغفر له، ومن كانت معصيته في كبر فاخشوا عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبرا فلُعِن)).

المتكبّر لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه يوم القيامةفعن أبي هريرة رضي الله عنه, قال: قال عليه الصلاة والسلام: (((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة, ولا يزكيهم -لا يكلمهم ولا يزكيهم-, قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم, ولهم عذاب أليم؛ شيخ زان, وأمير كذاب, وعائل -أي فقير- مستكبر)))..وقدقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الرجل يذهب بنفسه -يعلو ويعلو- حتى يُكتب في الجبارين, فيصيبه ما أصابهم..

ومن مخاطر التكبر أن الإنسان بسببه ينال المذلّة في الدنيا والآخرة؛ فإذا كان المتكبّر ساقط من أعين الناس في الدنيا وكذا من عين الله؛ فإن ثمة عقوبة للمتكبّر في الآخرة؛ لأنّ الجزاء من جنس العمل؛

كما أنّ المتكبر ولو بذرّة لا يدخل جنّة الله تعالىوهذا مشهد من المشاهد المؤلمة التي تجعل المتكبر على خطر كبير؛ فلقد ثبت أنّ النار تحاج الجنّة بأنها مأوى المتكبرين:

المتكبر ينال غضب الله ورسوله والناس من حوله ومحروم من حب الله تعالى؛ قال تعالى في شأن المتكبرين {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23].
الكبر يحمل صاحبه على الكفر بالله
سؤال يطرح نفسه:

رابعًا: جنّة التواضع ولذته
من تواضع بين الخلق رفعه الخالق، ومن تعالى وتكبر وضعه الخالق.. ففي الحديث
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ***  على صفحات الماء وهو رفيع 
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ***  على طبقـــات الجو وهو وضيــع.
خامسًا: روشتة عملية لصناعة التواضع في حياتنا
أول أمور العلاج أن تُطالِع ما نطقت به الآيات الكريمة في كتاب الله تعالى حول التكبر وخطورته: قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37] وقال عزّ وجلّ: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18]
اعرف أنك عبد لله؛ فهو صاحب النعمة والعطاء؛ قال تعالى في شأن نبيه عيسى عليه السلام: {إنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59].

انسب فضل ما أنت فيه من نعم تعددت وتكاثرت ماديا ومعنويا إلى ربك؛ كحال سليمان عليه السلام؛ فمع عِظم مُلكه وما سخره الله له، قال: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].

النظر في تاريخ المتواضعين وسيدهم، تواضع النبي _صلى الله عليه وسلم_:قال الله _تعالى_: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً" (الفرقان: من الآية63) ولقوله _عز وجل_: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" (الحجر: من الآية88) وقد كان -صلى الله عليه وسلم- مثالا يحتذى به في تواضعه وسمته أليس قد وصفته عائشة -رضي الله عنها- بأن كان خلقه القرآن؟ فهاهو يخبر عن نفسه فيقول: "لا آكل متكئا" وكانت مشيته عليه -صلى الله عليه وسلم- كأنما ينحدر من صبب وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبدالله ورسوله" ولما أراد أحدهم أن يحدثه أخذته هيبة فارتعد، فقال له _صلى الله عليه وسلم-: "هوِّن عليك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة" وفي البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة....لتأخذ بيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت وكان الرجل إذا دخل على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل أيكم محمد.

والصديق -رضي الله عنه- يودع جيش أسامة وأسامة -رضي الله عنه- على فرسه وهو يسير على قدميه فيقول أسامة لتركب أو لأنزل فيقول الصديق ومالي لا أغبر قدمي ساعة في سبيل الله ثم يستأذن أسامة وهو الخليفة يستأذن أسامة في عمر فيقول: أتأذن لي بعمر استعين به على أمور المسلمين؟!!
اتهم نفسك بالتقصير في حق صاحب النعمة والعطاء الفياض..

رافِق الفقراء والضعفاء بين حين وآخر، واسْع في حوائجهم وعوّد نفسك على مجالستهم وإن لم يكن لأغلبهم بين الناس مقام..وتعلّم من سيد المتواضعين، وحبيب رب العالمين -صلى الله عليه وسلّم-: كان يجالس الضعفاء والفقراء ويرافقهم ويضاحكهم ولا يتأفف من دنوّ مناصبهم أو قلة أموالهم أو بساطة أنسابهم أو رقة أحوالهم.. وهكذا قال: "كلكم لآدم وآدم من تراب".. ولقد كان النبيّ المربي المعلم يحلب شاته ويخصف نعله ويرافق أهل الصفة ويشرب ما تبقى من شُربهم، وكان يرافق الجارية يحمل عنها حاجتها... صلى عليك الله يا رسول الله.

اضافة تعليق