د. عمرو خالد يكتب: كيف تفوض ربك ليكون وكيلك؟

السبت، 14 سبتمبر 2019 01:28 م
اسليدر-د-عمرو

التوكل في اللغة معناه: "تفويض"، وهو مشتق من الوكالة، مثلما تذهب إلى الشهر العقاري لعمل توكيل للغير، وهو مرجعه الثقة والاعتماد فيمن تقوم بعمل التوكيل له، فلو لم تكن تثق فيه تمام الثقة لما فكرت لحظة أن تمنحه هذا التوكيل، ليقوم مقامك فيما أوكلته إياه.


هذا هو معنى التوكل في التعاملات بين البشر وبعضهم البعض، وبين الخلق والخالق هو عقد تفويض مطلق منهم الله تعالى ليتولى جميع أمورهم، صغيرها وكبيرها، في السراء، والضراء، في المنشط والمكره، عند الشدة والرخاء، عند الدخول والخروج، والنوم والاستيقاظ، وفي السعي والحركة، وفي كل تفاصيل حياتك تقول: يارب توكلت عليك وسلمت أمري إليك.

 

سبحانه خلق الإنسان من طين، رفع السماء بلا عمد، وخلق الأرض وجعل فيها الجبال والبحار، وكل ما يكفل للإنسان العيش والحياة، لم يفوض أحدًا ليدير الكون، وحاشاه وهو الذي لا تأخذه سنة ولا نوم أن يغفل عن شيء خلقه، كل شيء طوع أمره، لا يكون إلا ما أراد، سبحانه أمره بين الكاف والنون يقول للشيء: كن فيكون.

 

والتوكل على الله من صفات عباد الرحمن، يتميزون به عمن سواهم، اختصهم الله بمحبته، "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، لأنهم أحسنوا اللجوء إليه والتوكل عليه، فلم يخيب لهم رجاءً، عرفوا الله فقدروه حق قدره، إذا ذكروه خشعت قلوبهم، وخفق فؤادهم لمحبته، "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".

 

تخيل نفسك وأنت ذاهب إلى الشهر العقاري لعمل توكيل لشخص ما في أمر من الأمور، فلو لم تثق فيه لما منحته وكالتك، ولو لم تقوم مرتاحًا له من الأساس لما وقعت على عقد التوكيل.

 

كذلك هم البشر في علاقتهم بربهم، يمنحونه توكيلاً، لكنه توكيل مطلق في كل شيء، وأي شيء، ليس محدودًا بزمن، ولا مقيدًا بعمل، بل هو عقد توكيل مفتوح إلى ما شاء الله أن يعيش الإنسان، غير محدود بمهمة أو وظيفة بعينها، بل في كافة الأمور.

 

ربنا سبحانه سمى نفسه الوكيل.. هو من يعرض نفسه على عباده: من يوكلني فأكون وكيله؟، قال الله تعالى: "وَمَنْ يَتَوَكّلْ عَلَى اللّه فَهُو حَسْبُه".

 

ومعنى التوكل كمنزلة روحية: اعتماد القلب على الوكيل وحده.. اكتفاء العبد الذليل بالله الجليل.. وهو عبادة قلبية مكانها القلب.. فعندما تنطق بقول: "توكلنا على الله"، فإنك تقولها بصدق من القلب.. تمنح التوكيل والتفويض المطلق إلى الله.. كيف؟.. بقلبك.. لسانك: "حسبي الله ونعم الوكيل".

 

والتوكل هو غير التواكل، فالأول مطلوب ولثاني مرفوض، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا".

 

وقد ورد ذكر اسم الله "الوكيل" في القرآن الكريم، وآيات التوكل عجيبة.. لا يدعوك الله أن توكل إلا ومعها استعراض عجيب لعظيم ملكه وقدرته ليدفعك للتوكل.

 

"وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ"، لذلك " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ"، " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ" لا تتوكل على الأموات " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ "، " رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا"، " قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا".

 

وفي الحديث، يرى النبي صلى الله عليه وسلم أمته يتقدمهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ومن بين صفاتهم: وعلى ربهم يتوكلون: في جميع أمورهم، لذا فهم لهم رتبة خاصة، حاصلة بالصبر، والعمل، لا بالتمني، والكسل.

 

فإنهم أهل إيمان قوي، ويقين راسخ، وعزم، وإيقان بأن الله تعالى هو المؤثر الحقيقي في الأشياء فلا قيمة للأسباب إلا بالله، فالنار لم تحرق نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن الله تعالى أمرنا أن نأخذ بالأسباب.

 

"حسبي الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين أُلقِي في النار، وقالها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد غزوة أحد، إن قريشًا ومن معها قد أجمعوا على الرجوع إلى المدينة المنورة واستئصال وإبادة المسلمين.

 

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلْقِيَ في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

 

توكل على الله الذي يدير الكون طوال الليل والنهار لا يخفى عنه شيء، هو أعلم بنا من أنفسنا، لا تخش شيئًا ما دمت قد توكلت على ربك، لم تتأخر عن إجابته وحسن التوكل والاعتماد عليه، ولن يتأخر عنك فيما تطلبه منه، وهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 

من بكى على أولاده لمن يتركهم فليس بمتوكل، ومن أكل ولو فلسًا من حرام فليس بمتوكل، فالمتوكل علم أن للرزق أسبابه فلم يتأخر عن الأخذ بها، واثق ثقة لا تزحزح في ربه بأنه لن يفوته رزق قد كتبه له، وهو يعلم حاله عند ربه، حال من أحبهم ورضي عنهم، لأنهم آمنوا به إيمانًا مطلقًا لا تشوبه شائبة، فاستحقوا إن يكونوا منن قال تعالى عنهم: "إن الله يحب المتوكلين".

خطوات التوكل:

 

ضع في ذهنك موضوعًا كبيرًا تريد أن تحققه.. توكل على الله فيه بنيتك.. قرر أنك ستبذل كل جهدك وطاقتك لو أيدك أسباب.. فكر نفسك بالتوكل بالاستمرار بالذكر والدعاء "حسبي الله ونعم الوكيل".. أوكل صباح كل يوم.. قل: "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" سبع مرات.
ثواب التوكل في الدنيا: نصر الله وتوليه أمرك.. ثواب التوكل في الآخرة: 70 ألف يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.. فاللهم اجعلنا من المؤمنين بك، المتوكلين عليك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين يا أرحم الراحمين.. " رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ".

اضافة تعليق