الهجرة النبوية وحب الوطن.. كيف كان الخروج من "مكة" والعودة إليها؟

السبت، 31 أغسطس 2019 12:31 م
9201815154227559577091


يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم" إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مثالا لحب الوطن والانتماء للأرض التي نشأ فيها وتربى عليها: ‏"فكانت خطواتُه صلى الله عليه وسلم في هجرته تَخطُّ في الأرض ، ومعانيها تَخطُّ في التاريخ".


ويدلل الرافعي على التخطيط في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن مستدلا بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٤٠].

 
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ [الأنفال: - ٣٠] .
 

وكان حب الوطن هو العبرة الجلية من هذه الهجرة الشريفة، وقد توقف العلماء عند لحظاتِ مُغادَرة النبيِّ عليه الصلاة والسلام لمكة التي بها وُلد، وفيها نشأ وترعرع، ولها أحبَّ حبًّا كثيرًا.


بشر أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم، أوائل بعثته أنه ستأتي أيامٌ سيخرج من مكة، فيبلغ به العجَب كلَّ مبلغ، ولما نزل الوحي على النبي، وذهبت به خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل، وكان رجلًا قد قرأ الكتب المتقدِّمة وعنده العلم، فلما قصَّ عليه النبيُّ عليه صلى الله عليه وسلم ما كان له من بدايات الوحي الذي نزل عليه به جبرائيل عليه السلام في غار حِراء، فإذا بورقة لما سمع ذلك يقول: ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومُك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟)) قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. رواه البخاري.


فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألم حينما سمع من ورقة بن نوفل أن قومه سيخرجه من وطنه الذي يعشقه، لماذا أُخرج؟ وأنا مَن أنا عندهم حبًّا وكرامة، فكان إذ ذاك يُدعَى الأمين والصادق، ثم سيخرجوني من هذه البلدة، مِن حَرَمِ الله وجِوار بيته، مِن بلدة جدي إسماعيل وإبراهيم، يخرجوني مِن هذه البلدة التي بلغ حبُّها في القلب كلَّ مبلغ؟ فهو عليه الصلاة والسلام يَستَغرب أن يكون هذا مآله، وأن تفعل معه قريش ذلك.


فتمضي الأيام، ويُشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأذيَّة وهذا العداء من قومه، ما جاء رجل بمثل ما جئتَ به إلى عودي، عاداه قومه وحاربوه ولم يقبلوا منه، حتى جاءت ليلة الهجرة في اللحظات التي يخرج فيها نبيُّنا عليه الصلاة والسلام من مكة، فيقِف على مَشارفها مُلتفتًا إليها وقد بلغَت اللوعة في قلبه كل مبلغ، كيف يُخرج منها؟ فإذا به عليه الصلاة والسلام يخاطب مكة: ((والله إني أعلم أنك خيرُ أرضِ الله وأحبُّها إلى الله، ولولا أنِّ أهلَكِ أخرجوني منك ما خرجتُ)).


فيتحسَّر النتبي صلى الله عليه وسلم، على بلدته مكة، نعم إنها مكة التي هي أفضل البلاد وأعظمها، ثم أيضًا أمر آخر؛ هي التي درج فيها وتربَّى وهي وطنه الأول، ولذلك فإنَّ حب الوطن الذي عاش فيه الإنسان ودَرَج وتربَّى، وكان عيشه على ترابها، هذا أمر فطري غريزي، وفي هذا يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: البشر يألفون أرضهم على ما بها ولو كانت قفرًا مستوحشًا، وحبُّ الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هوجم، ويغضب له إذا انتُقص.

واستجاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأذن ربه له بالهجرة من مكة على حبِّه لها، ولكن ما مِن اتباعِ أمرِ الله وما شرعه سبحانه مِن بُدٍّ وإن خالف ما يحبُّه الإنسان ويهواه.

 
تقول عائشة رضي الله عنها فيما رواه البخاري في صحيحه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((إني أُرِيتُ دارَ هجْرتِكم ذاتَ نخلٍ بين لابَتَيْن))، فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَل المدينة ((بين لابتين))؛ وهما الحَرِّتَانِ المعروفتان بالمدينة.


يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: فهاجَر مَن هاجر قِبَل المدينة، ورجع بعضُ مَن هاجر قِبَل الحبشة إلى المدينة، وتجهَّز أبو بكر مهاجرًا قِبَل المدينة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((على رِسْلِكَ؛ فإني أرجو أنْ يُؤْذَن لي)(. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنتَ وأمي؟ قال: ((نعم)). فحَبَسَ أبو بكر رضي الله عنه نفسَه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه. رواه البخاري.


وتقول عائشة رضي الله عنها: لما قَدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة قَدِمَها وهي أوبأ أرضِ الله مِن الحمَّى، وكان وادِيها يجري نَجْلًا؛ فأصابه منها بلاء وسُقم، وصَرَفَ الله ذلك عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فُهيرة وبلال في بيتٍ واحدٍ، فأصابتهم الحمَّى، فاستأذنتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فأذِن، فدخلتُ إليهم أعُودهم، وذلك قبل أن يُضْرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يَعلمه إلا الله مِن شدَّة الوَعك، فدنوتُ مِن أبي بكر فقلتُ: يا أبتِ كيف تجدك؟ فقال:


كلُّ امرئٍ مَصَبَّحٌ في أهلِه *** والموتُ أدنَى مِن شِراكِ نَعلِه

قالت: فقلتُ: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوتُ من عامر بن فهيرة فقلتُ: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لقد وجدتُ الموتَ قبْل ذوقه *** إنَّ الجبانَ حتْفُهُ مِن فَوْقِهِ


كلُّ امرئٍ مجاهِدٌ بطَوْقه *** كالثَّور يُحْمَى جِلْدُه بِرَوْقِه

 

قالت: فقلتُ: والله ما يدري عامر ما يقول، قلتُ: وكان بلال إذا أقلعَت عنه الحمَّى اضطجع بفِناء البيت، ثم يَرفَع عَقيرتَه؛ يرفع صوته ويقول:

 
ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلة *** بوادٍ وحولي إذخر وجليلُ


وهل أردَن يومًا مياهَ مجنَّة *** وهل يبدوَنْ لي شامة وطَفيل


يشير إلى المواضع التي ألِفها بمكة.



قالت: فأخبرتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: ((اللهم حبِّب إلينا المدينة، كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ، وانقُل حمَّاها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا في مُدِّها وصاعها)). رواه البخاري.

 

وكان بلال رضي الله عنه لشدة حزنه على تركه لوطنه، رغم ما حدث معه من تعذيب له فيها، والإيذاء الذي لقِيَه من أهلها، يقول: اللهم العَن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.



لقد عَلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدى حبِّ أصحابه لبلدتهم وموطنهم مكة، فكان يسأل الله كثيرًا أن يَرزقه هو وأصحابه حبَّ المدينة حبًا يفوق حبَّهم لمكة؛ لما لها من الفضل في احتضانها للإسلام ودعوته، وحمايتها ونصرتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا تقول عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهمَّ حبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أشدَّ)). رواه البخاري.

 
وجاء عن أنس رضي الله عنه؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((اللهمَّ اجعل بالمدينة ضِعْفَيْ ما جعلتَ بمكة من البركة)) رواه البخاري.

 
وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اللهمَّ إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)). رواه مسلم.


وقد استجاب الله تعالى دعاء خليله محمد صلى الله عليه وسلم، فعُوفي المسلمون بعدها من تلك الحمَّى، وأصبحَت المدينة موطنًا محبَّبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الله تعالى فيها من البركات ما هو مُشاهَد من ذلك الحين.

 
وهذا يشير إليه قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ [القصص: 85]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رجوع رسول الله وعَوْدُه إلى مكة بعد أن أُخرج منها فاتحًا لها ولله الحمد والفضل والمنَّة سبحانه.

 

اضافة تعليق