"صهيب الرومي".. من حياة الترف إلى الشرف

الجمعة، 30 أغسطس 2019 11:57 ص
صهيب الرومي




صهيب الرومي، أحد أصحاب عوالم الترف التي يُخيم عليها السعادة والنعيم في كل جوانب حياته ، ولِمَ لا وقد كان أباه من بني نمير وهو أيضًا أحد الحكام ، وكانت أمه من بني تميم ، وكانت الأسرة تعيش في أحد القصور المطلة على شاطئ الفرات.



إلا أن القدر شاء أن يغير حياة هذا الشاب من عالم الترف إلى عالم الشرف بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتصديق برسالته والجهاد تحت لوائه.



ففي أحد الأيام التي كانت تمر عليه وهو يرفل في النعيم قررت أم الفتى أن تخرج للنزهة مع حشمها وخدمها إلى أحد القرى ، والتي كانت تدعى الثَّنىِّ ، وإذا بالبلاد تتعرض لهجوم عنيف من الروم ؛ فقامت بقتل الحراس ، ونهب الأموال ، وآسر من يقع بين يديها ، وكان الفتى  من جُملة من تم أسرهم .







تم بيعه في سوق الرقيق ، وظل ينتقل من مكان إلى مكان ، ومن خدمة سيد إلى سيد آخر إلى أن انتهى به الطواف إلى مكة المكرمة ؛ فقيل أن عبدالله بن جدعان هو من اشتراه وأعتقه ، وقيل أنه هرب من الرق عند أسياده وذهب إلى مكة .



وذهب أحد الكهنة إلى سيده في يوم من الأيام ، وأخبره أنه قد أطل الزمان الذي سيظهر فيه النبي الأمين المُصدق لرسالة عيسى عليه السلام ، ويُخرج الناس من ظلمات الجاهلية  إلى النور ، ولم يكن سيد الكاهن هو فقط من سمع هذا الكلام بل سمعه أيضًا الفتى الرومي .



ومنذ ذلك الوقت وهو متشوق لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وصل إلى مكة المكرمة وعَمل على بناء ثروته من عمله بالتجارة ظلَّ يتتبع أخبار النبوة ، ويسأل هل ظهر النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أم ليس بعد ؟!.



وبدأت بعثة النبي صلَّ الله عليه وسلم ، وبدأت تسري الهمسات بين الناس عن دعوته في عبادة إله واحد ، وترك عبادة الأصنام حتى اللات ، وهبل ، والعزى ، وبمرور الأيام كان الهمس يزداد ، ويتعالى ، ويصبح أكثر وضوحًا حتى وصل إلى صهيب ؛ فشرح الله قلبه ونفسه للدين الجديد .



بدأ القرار يتشكل في قلبه وعقله حتى جاء صباح أحد الأيام كان قد قرر القرار النهائي في هذه الدعوة ؛ فانطلق قبل أن تدب الحياة في مكة إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، فسار حذرًا إليهم حتى إذا بلغ المنزل وجد عنده عمَّار بن ياسر ؛ فسأل كل منهما الآخر عن سر توجه كل منهما إلى دار الأرقم في ذلك الوقت ، فكانت إجابتهم واحدة هي رغبتهم في سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم .



دخل كل منهما إلى الدار عند الرسول الكريم عليه الصلاة وأفضل السلام ؛ فما إن سمعا ما يقول حتى أشرقت قلوبهم بنور الإيمان ، وعندها مدَّ كل منهما يده ، وشهِدا بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .



ظل الإثنان طوال اليوم يستمعان لكلام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل الليل ، ولما هدأت الحركة خرج كل منهما من عنده وهو يحمل في طيات قلبه من النور ما يكفي لإضاءة الدنيا بأسرها .



بدأت الحياة تأخذ أشكالًا جديدة في عينيه منذ دخوله في الإسلام ، فسرعان ما تلاشت صور حياته قبل الإسلام من عقله ، وأضحت حياته ذات عمق ومغزى ، وعندما بدأ الإسلام في الانتشار قرر المشركون محاربته ، واشتد غضب قريش ونقمتها على الإسلام عندما بدأ الضعفاء من القوم في الدخول في الإسلام .



بدأت قريش بتعذيب المستضعفين من المسلمين ، وكان منهم الصحابي الجليل لكنه صبر على الأذى راضيًا بقضاء الله تعالى ، وراغبًا في رضاه فهو يعلم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره .



وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فتاقت نفسه للهجرة كما أقرانه من المسلمين ؛ فما كان من إلا أن اعترضته ، وعندها قرر أن ما عند الله خيرٌ وأبقى ؛ فضحى بماله كله من أجل أن يتركوه ليلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم .



وكان من كبار السابقين البدريين ، فيقول عن نفسه أنه شَهِدَ مع النبي كل مشاهده ، كان حاضرًا في كل غزوة غزاها ، وكل بيعة بايعها ، وكل سرية سرى بها ؛ فكانت مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم تزداد يومًا بعد يوم ، فقد كان دائما بجواره لا يتخلف عنه أبدًا ويحرص كل الحرص على أن ينال رضاه .



وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ، فظلت مكانة الصحابي الجليل عظيمة في نفوس الخلفاء الراشدين  رضي الله عنهم جميعًا ، وبقى يقضى حياته فى الجهاد والعمل الصالح، وظل يجاهد بنفسه وماله ابتغاء مرضاة الله وتحطمت على يديه قلاع الكفر وحصون البغى فى بلاد الروم وفارس ؛ فآثر الاعتزال في زمن الفتنة ، وأقبل على شأنه ، وبعد حياة مديدة مليئة بالعطاء للإسلام والمسلمين فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في شهر شوال عام 38 هـ بالمدينة المنورة.

اضافة تعليق