الهجرة بين الماضي والحاضر.. حركة مستمرة نحو الأفضل في حياة الأفراد والشعوب

الخميس، 29 أغسطس 2019 09:27 م
الهجرة والتوبة
الهجرة والتوبة متلازمان


لا يمكن أن تكون الهجرة في مفهومها الصحيح مجرد حدث تاريخي عظيم مضى أو واقعة كبرى في السية النبوية العطرة، فمفهوم الهجرة إلى الله ورسوله، يتمثل في كل رحلة يقوم بها الإنسان المسلم في خدمة الإسلام والمسلمين .

فمن خرج يطلب العلم من أجل أن يرفع مستوى المعرفة عند الناس، من خلال ما يقربهم من الله ويبعدهم عن الشيطان، وينمي لديهم القدرات العلمية التي تفتح آفاقهم على العزة والحرية والكرامة التي يحبها الله لعباده المؤمنين؛ فقد خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، ومن خرج ليقضي حاجة مؤمن، أو يغيث ملهوفًا، أو ليهدي ضالاً، أو ليقوم بعملية إصلاح بين الناس، أو ليدخل السرور على الناس، أو ليقوم بأي عمل من الأعمال التي يحبها الله ورسوله، فهو من المهاجرين إلى الله ورسوله.

وهكذا تكون حياة الإنسان المسلم في سبيل كل الأهداف الرسالية الكبيرة هجرة إلى الله ورسوله؛ لأن قضية الهجرة مرتبطة بالمضمون والهدف لا بالشكل والموقع.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر.
وفي موقف آخر سأله رجل فقال: يا رسول الله أي الهجرة أفضل؟ قال: “أن تهجر ما كره ربك، وهي هجرتان: هجرة البادي، وهجرة الحاضر، فهي أشدها وأعظمها بلية”.

صور وأنواع الهجرة

ومن هذه الأحاديث وغيرها يتبين أن الهجرة نوعان:
أ- الهجرة المعنوية: ويقصد بها الانتقال من ثقافة مجتمعات غير المؤمنين؛ بنظمها وعقائدها وقيمها وعاداتها وتقاليدها وتطبيقاتها المختلفة، إلى ثقافة الإيمان بمظاهره وتطبيقاته. وتتجلى هذه الهجرة في صور عديدة منها:


–  الهجرة المعنوية القلبية: هذه الهجرة أشارت إليها السنة النبوية المطهرة في مواضع كثيرة منها: “المهاجر من هجر السوء فاجتنبه” و “المهاجر من هجر ما نهى الله عنه”، لهذا فإننا نجد في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن هجرتهم بالأبدان قد سبقتها هجرة القلوب عما كان عليه القوم من عقائد فاسدة، وشرائع باطلة، وعادات وتقاليد كان لها في هدم الإنسانية ما ليس للمعاول القوية في تقويض البناء الشامخ.

نعم! هاجروا بقلوبهم قبل أن يهاجروا بأبدانهم، هاجروا إلى التوحيد البريء، و الإخلاص النقي، والإنابة الحقة، والتوكل الصحيح ومحبة الخير للخير، هاجروا إلى هذه القيم القلبية السامية التي نهضت بالإنسانية –في عصر السعادة– من كبوتها، وارتقت بها رقيًّا وجدانيًّا، ذكّرها بأنها ما خُلقت عبثًا ولا باطلاً ولا لتفسد في الأرض أو تسفك الدماء، ولا ليستعبد قويها ضعيفها.

الهجرة المعنوية النفسية: فلم تكن هجرة النبي وأصحابه فرارًا من الأذى، ولا هربًا من التنكيل، ولا التماسًا للرزق، ولا خورًا في العزيمة، ولا خوفًا من الموت في سبيل الله؛ إنما هو الإيمان الذي يملأ النفوس عزة وكرامة، ويأبى عليها أن تخلد إلى السكون، أو ترضى بالخنوع، أو تذل لسلطان القهر الذي يمنعها الحرية في تصرفها وإقامة دينها، والاتصال بإخوانها الذين تتساند معهم، ليكونوا جميعًا وحدة قوية تحمي دينهم، وتحفظ عزتهم، وفي ظلها يبثون دعوتهم وينشرون العدل، ويحققون السلم والمساواة ويدعون إلى الخير والسعادة.
–  الهجرة المعنوية الفكرية: فلقد كانت هجرة الأصحاب هجرة من دائرة المسخ الثقافي والتربوي التي يعيش فيها الإنسان تحت تأثير أفكار المفسدين والمنحرفين، الذين ينشرون الفساد الثقافي، والانحراف التربوي، والانحلال الأخلاقي، بما لا يستطيع معه الإنسان المسلم الثبات على دينه.

ب– الهجرة البدنية: ويقصد بها الانتقال الحسي البدني من مجتمعات الكفر والشرك والضلال، إلى مجتمع الإيمان والهداية والإرشاد، وهي على ستة أقسام :
– الهجرة بالخروج من دار الحرب إلى دار السلام، وهذه الهجرة باقية إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بفتح مكة هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان.

– الخروج من أرض البدعة والمنكرات؛ لأنه لا يحل لمسلم أن يقيم بأرض فيها منكر، والمنكر إذا لم تقدر على تغيره فزُل عنه.

– الخروج من أرض غلب عليها الحرام إلى أرض يسودها الحلال الطيب؛ لأن طلب الحلال فرض على كل مسلم.

– الهجرة بالفرار من الأذية في البدن، وذلك رخصة إلهية، وأول من فعلها “إبراهيم عليه السلام”.

آفاق الهجرة في الوقت الحاضر
إن الهجرة في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد واقعة من وقائع هذه السيرة، بل هي أساس اجتماعي، وركيزة عقائدية، ومنطلق فكري وتربوي ، وإشعاع روحي، وانبعاث حضاري. لذلك؛ فإنه يَحسُن بنا أن نتعامل مع الهجرة من خلال الآفاق التالية ، بحسب ما يرى الباحث والكاتب الإسلامي أسامة أبو العباس شهوان.

 – الهجرة في واقعها نوع من التعاون والتساند والتلاحم، الذي به تنجح الأمة وتقوى حتى تصير كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، فتُزلزل حصون الشرك، وتُقوض عروش الوثنية، وتحقق نصرة الحق؛ حتى يتحول اتجاه الناس من مجاليّ الشر والشقاء إلى سبيل الخير والسعادة.

–  إن الهجرة بمعناها العام مستمرة إلى يوم القيامة؛ ذلك لأن الهجرة توأم الجهاد في سبيل الله، ولدا معًا ويعيشان معًا؛ فقد أكّد نبينا على كون الجهاد ماضيًا وباقيًا إلى يوم القيامة، وأنه لا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها.

 – إن الهجرة النفسية والفكرية والقلبية ضرورة من ضرورات وحدة الجبهة الداخلية في المجتمع المسلم؛ إذ يقوم جوهر هذه الهجرة على هجرة المؤمنين للمعتقدات المتناقضة المُفرّقة، لتحل محلها عقيدة واحدة وثقافة واحدة، يكون من ثمارها تجانس السلوك، واتفاق الكلمة، وترابط القلوب وتآلف الأرواح، وامتداد العمل الإيجابيّ البنّاء.

الهجرة والتوبة

كما ترتبط الهجرة بالتوبة ارتباطًا وثيقًا لا انفصام له؛ فإنه كما أخبر الحبيب المصطفى: “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها”.

وعلى هذا؛ فالهجرة توبة، والتوبة هجرة، وكلاهما انتقال من الخطأ والجمود والتخلف، إلى الصواب والوعي المتجدد والارتقاء، وانتقال من الرزيلة والهوى إلى الفضيلة والهدى، ومن الباطل الزائف إلى الحق الثابت الراسخ، كما أنها إيمان بالفكرة، وصدق في الدعوة، وجهاد حق تُبذل فيه الأرواح.

وهكذا فإن الهجرة التي لا تنقطع على مر العصور هي التحول من الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى , ومن سيئ الأخلاق إلى صالحها ، ومن الفساد إلى الصلاح والإصلاح ، بما يسهم في بناء الحضارة وإعمار الكون، لأن ديننا دين البناء والتعمير للكون كله ، قال تعالى : {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، فأمتنا أمة عمل لا أمة كسل، أمة بناء لا أمة هدم أو تخريب، أمة حضارة، ولم يكن التخلف أبدًا سمة من سماتها ، وهذا ما ستؤكد عليه خطبة الجمعة غدا بمساجد مصر حسب ما أعلنت وزارة الأوقاف .

  فحري بكل مسلم يحب دينه ويعتز به أن يعمل من أجل رفعة دينه وعزة وطنه بعيدًا عن كل ألوان الزلل ، والشطط ، والتطرف ، كالهجرة إلى جماعات الإرهاب بوهم الجهاد الكاذب تحت الرايات المغرضة الزائفة، أو كالهجرة غير الشرعية التي تؤدي إلى الهلاك ، أو المذلة والمهانة , والتي هي مجرمة قانونًا ومؤثمة شرعا ؛ لأن حرمة الأوطان كحرمة البيوت ، وكما لا يجوز دخول بيت أحد إلا بإذن منه كذلك لا يجوز دخول أي دولة إلا من خلال الطرق القانونية المشروعة ، فكما لا يحب أحد أن يتسلل أحد إلى دولته أو يدخلها بغير الطرق الشرعية القانونية ينبغي ألا يفعل ولا يقبل هو أيضا ذلك تجاه أي دولة أخرى .

اضافة تعليق