د. عمرو خالد يكتب: "سبحان الله" عبادة أهل الجنة

الخميس، 29 أغسطس 2019 03:13 م
اسليدر-د-عمرو

سبحان الله ذكر تعج به السماء، يملأ الكون، لا يتوقف أبدًا، وكيف يكون ذلك، وللكون رب عظيم تسبح له كل المخلوقات حمدًا وشكرًا لنعمه التي لا تحصى ولا تعد، تسبح له أن منحها شرف خلقها، وجعلها في عداد عباده وخلقه، خلقنا من تراب ولم نك شيئًا، كفل لنا أرزاقنا حتى قبل أن نولد، أعطانا من وافر الخيرات وعظيم النعم، التي لو لهج اللسان شكرًا له ما وفاه جزاء نعمة واحدة منها.


" سَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"، الكون مظاهرة تسبيح بلا توقف.. تسبيح دائم يومي لا ينقطع حتى قيام الساعة، "وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ"، "وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ"، " وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ".
أهل الجنة يقول عنهم النبي صلى الله عليه وسلم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.. ليس في الجنة عبادة، وإنما هناك ذكر وتسبيح.. فقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ ﴾ [يونس: 10].

 

وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن أهل الجنة يلهمون التسبيح، وأنهم يسبحون الله تعالى بكرة وعشيًا، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتخمطون ولا يتغوطون ولا يبولون ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحا كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس.. أي تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس".

 

سبحان الله: هي الصيغة التي اختارها الله لعباده ليقدسوه بها ويقدروه ويوقروه.. سبحان الله يعني الكامل في كل شيء.. المنزه عن كل نقص.. المقدس الكامل المنزه عن كل نقص أو عيب.. "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ".

 

فالله تعالى ليس كمثله شيء، هو الجامع لكل أوصاف الكمال والجمال والجلال، والمنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال.

 

وقولك: سبحان الله هو تعبير عن إحساسك بكمال وبجلال وجمال الله.. قدس ربك وأفعاله وصفاته وأسمائه.. قدسه عن كل المخلوقات.. فالمخلوقات كلها ناقصة ولا كامل إلا الله.. الكون كله ناقص.. ولا توازن للكون وضبط له إلا بوجود الكامل وحده.. لذلك الكائنات كلها تسبح.. أنت الكامل.

 

والناس في تقديس الله درجات، وأعظم الناس درجات "من عبد الله عن إحسان"، ومقام الإحسان لن يأتي إليك إلا بأن يرث قلبك ذكر الله، فتعبد الله كأنك تراه.
ورد في صحيح مسلم عن عمر ابن الخطاب: في حديث جبريل الطويل وفيه: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 

التسبيح يرفع الكرب: "فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ"، لماذا لأنه الكامل القادر على إزالة كل نقص فيك، ألهم الله نبي الله يونس التسبيح فأنقذه من بطن الحوت.

التسبيح يزيل الهم والغم "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك.. فسبح بحمد ربك".
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أيعجز أحدكم أن يكسب في يوم ألف حسنة".

وأجمل شيء وأنت تردد "سبحان الله"، أنك تنظر لأسماء الله الحسنى كلها أمام عينك، لأنها صفات كلها مجسدة في سبحان الله الكمال – الجلال – الجمال.. لذلك عندما ترى منظرًا جميلاً تقول: سبحان الله.. لأن الكمال يستدعي التسبيح.
والتسبيح في القرآن عجيب، وحتى قبل أن نخلق أثنى على نفسه بالتسبيح " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى"، "فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ"، ولما خلق السموات والأرض قدسوه وسبحوه، فقال في الفعل الماضي.. " سَبَّحَ لِلَّهِ"، ومازالوا يسبحونه في الحاضر بالفعل المضارع: "يُسَبِّحُ لِلَّهِ"، فلم يبق إلا أنت لتسبح بفعل الأمر: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى".. والعجيب أن هذا هو ترتيب التسبيح في سور القرآن: "سُبحان"، "تسبح"، "يسبح"، "سبح".

اجعل رطبًا بذكر الله وتسبيح إياه تنزيهًا له عن كل نقص: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ"، اذكرها كثيرًا على مدار اليوم.

ومن الملاحظ أنه بعد "سبحان الله" يأتي بحمده.. لماذا؟ لأنك عرفت أنه الكامل المنزه عن كل نقص، وهذه نعمة تستحق الحمد إن هذا هو إلهك.. مثال: أولاد أبوهم عظيم، كلما تذكروا عظمته، قالوا: "الحمدلله إنه أبونا"، وأيضًا لأن تسبيحك له هو الذي ألهمك التسبيح، فاحمده أن وفقك لتسبيحه.. فالفضل منه إليك.

الكون كله يسبح لله.. " وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا"، قل سبحان الله.. كل الكون يسبح.. سبح معهم، "وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"، الكامن في صوت الطيور.. صوت موج البحر.. نسمة الهواء.. هو صوت التسبيح لو تأملت الكامن المختبئ في صوتهم لعرفت أنه التسبيح.
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ".

" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ".. اسمع صوت موج البحر: يسبح بحمدالله.. اسمع صوت نسمة الهواء: تسبح بقدرة الله.. اسمع صوت الرعد في السماء: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده.. السحاب يسبح.. حبات الرمال تسبح.. قطرات الأنهار تسبح.. الجبال والأنهار.

الطيور في السماء والحيتان في قاع البحار.. الكل يسبح لمالك الملك العظيم القدير.. "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".

اضافة تعليق