أثارها لا تنتهي.. 7 دروس من هجرة النبي

الأحد، 25 أغسطس 2019 10:38 ص
أثارها لا تنتهي

 كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته تمثل خطوة لابد منها على خطورتها لبناء الأمة الإسلامية؛ وبهذا هاجر معظم المسلمين في مكة سرًا مع النبي باستثناء عمر بن الخطاب الذي هاجر علانية، وكل هذا تم في شهرين اثنين فقط، محرم وصفر من السنة الرابعة عشرة من البعثة، يعني: بعد حوالي شهر واحد فقط أو أقل من بيعة العقبة الثانية، ولم يبق في مكة إلا ثلاثة فقط: الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه مع عائلته، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وكان بقاؤهما بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم.

 وجمعت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته دروسًا مستفادة لا تنتهي العبر منها على مدار تاريخ النبوة الشريفة، أولها:

 التوكل على الله والأخذ بالأسباب

رسخ النبي لعقيدة التوكل على الله والأخذ بالأسباب، في مواجهة القضايا الهامة التي يتوقف عليها إيمان المرء ومستقبله، ذلك أن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المراد، ودفع المكروه، بل هو أقواها؛ ولقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام النصيب الأوفى من هذا المعنى؛ فلا يُعْرَفُ بَشَرٌ أحق بنصر الله، وأجدر بتأييده؛ من النبي الذي لاقى في جنب الله ما لاقى، ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله.


أحكم النبي صلى الله عليه وسلم خطة هجرته، وأعد لكل فرض عُدَّتَه، ولم يدع في حسبانه مكاناً للحظوظ العمياء، ثم توكل على ربه، فقد استبقى معه أبا بكر وعلياً - رضي الله عنهما -، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة، فأما أبو بكر فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له حين استأذنه؛ ليهاجر: ((لا تعجل؛ لعل الله أن يجعل لك صاحباً)).


وأحس أبو بكر بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعني نفسه بهذا الرّد، فابتاع راحلتين، فحبسهما في داره بعلفهما إعداداً لذلك الأمر، وأما عليٌ فقد هيّأهُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لدور خاص يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار ألا وهي مبيت في مكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الخروج إلى المدينة.


كما أن النبي استعان على هجرته بالكتمان؛ فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسة، ولم يتوسع في إطْلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم، ثم إنه استأجر خبيراً هو عبد الله بن أُريقط الليثي بطريق الصحراء ليستعين بخبرته على مغالبة المُطَالِبين، وكان هادياً ماهراً بالطريق، وكان على دين قومه قريش، فَأَمَّناه على ذلك، وسلَّما إليه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث، ومع كل هذه الأسباب المبذولة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتكل عليها؛ بل كان قلبه متعلقاً بالله - عزّ وجل -، فجاءه التوفيق والمدد والعون من الله.


وكذلك الحال لما كان في الغار، ففي الصحيحين أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن؛ فإن الله معنا)).


ثانياً: الإخلاص

من مواطن العبرة في قصة الهجرة أن الداعي إلى الإصلاح متى أوتي حكمة بالغة، وإخلاصاً نقيَّاً، وعزماً صارماً؛ هَيَّأَ الله لدعوته بيئة طيّبة فتقبلها، وزيَّنها في قلولب أصحابها.


ثالثا: اليقين:

 

النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلِّم بسيرته المجاهدَ في سبيل الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل، ولا يَهَنَ في دفاعهم، وتقويم عِوَجِهم، ولا يَهُولُه أن تُقبِلَ الأيام عليهم، فيشتدَّ بأسهم، ويُجْلِبوا بخيلهم ورجالهم؛ فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا، والذين هم مصلحون، ولقد هاجر - عليه الصلاة والسلام - من مكة في سواد الليل مختفياً، وأهلها يحملون له العداوة والبغضاء، ويسعون سعيهم للوصول إلى قتله، والخلاص من دعوته، ثم دخل المدينة في بياض النهار مُتَجلِّياً قد استقبله المهاجرون والأنصار بقلوب مُلِئَت سروراً بمقدمه، وابتهاجاً بلقائه، وصاروا يتنافسون في الاحتفاء به، والقرب من مجلسه.

رابعاً: ثبات أهل الإيمان في جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه - تطميناً له على قلقه: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) وهذا مثال من أمثلة الصدق والثبات، والثقة بالله، والاتكال عليه عند الشدائد، وهو دليل واضح على صدق الرسول، ودعوى النبوة؛ فهو في أشد المآزق حرجاً، ومع ذلك تبدو عليه أمارات الاطمئنان، وأن الله لن يتخلى عنه في تلك الساعات الحرجة، فيا ترى هل يصدر مثل هذا الاطمئنان عن مُدَّعٍ للنبوة؟.



خامسا: النصر مع الصبر:

فقد قضى النبي عليه الصلاة والسلام في سبيل دعوته في مكة ثلاثة عشر حولاً وهو يلاقي نفوساً طاغيةً، وألسنة ساخرة، وربما لقي أيادي باطشة؛ وكان هَيِّناً على الله أن يصرف عنه الأذى جملة، ولكنها سنة الابتلاء يؤخذ بها الرسول الأكرم؛ ليستبين صبره، ويعظم عند الله أجرُه، وليتعلم دعاة الإصلاح كيف يقتحمون الشدائد، ويصبرون على ما يلاقون من الأذى صغيراً كان أم كبيراً.



سادسا: الحلم، ومقابلة الإساءة بالإحسان:

فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة قبل الهجرة كان يلقى من الطُّغاة والطَّغام أذىً كثيراً، فيضرب عنه صفحاً أو عفواً؛ فما عاقب أحداً مسَّه بأذى، ولا أغلظ له في القول، بل كان يقابل الإساءة بالإحسان، والغلظة بالرفق، ومما يجلِّي هذا المعنى ما كان منه - عليه الصلاة والسلام - لما عاد إلى مكة ظافراً فاتحاً، حين تمكن ممن كانوا يؤذونه بصنوف الأذى فقال لهم: ((ما تظنون أني فاعل بكم؟))، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).



سابعا: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه:

فإن المهاجرين لما تركوا ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم؛ أعاضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملَّكهم مشارقها ومغاربها.



وفي هذا درس عظيم هو أن الله - عز وجل - شكور كريم، لا يضيع أجر من أحسن عملاً؛ فمن ترك شيئاً لأجله عوضه خيراً منه، والعِوَض من الله أنواع، وأجلّ ما يُعوِّض به الإنسان أن يُرْزَقَ محبة الله - عز وجل -، وطمأنينة القلب بذكره، وقوة الإقبال عليه؛ فحري بأهل الإسلام أن يُضحُّوا في سبيل الله، وأن يقدموا محبوبات الله على محبوبات نفوسهم؛ ليفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.

اضافة تعليق