هل يجوز استبدال الأرض الموقوفة لمسجد لغرض آخر؟

الخميس، 22 أغسطس 2019 09:55 ص
هل يجوز استبدال الأرض الموقوفة للمسجد لبناء أخر


ورد سؤال لدار الإفتاء يقول : "لو بُنِيَ على أرض المسجد القديم معهد ديني مثلًا، فهل تبقى حرمته بحيث يُسَنُّ فيه الاعتكاف وتحية المسجد، ويحرم مكث الحائض فيه؟ وهل يجوز شرعًا تغيير الأرض الموقوفة للمسجد وجعله وقف استبدال لأجل بناء مبنًى آخر، أو أي مشروع خيري؟

 وأجابت أمانة الفتوى بدار الإفتاء على ما ورد من السؤال عن حكم بناء معهد ديني أو نحوه من المشروعات الخيرية على أرض مسجد قديم، ونقل المسجد إلى أرض أخرى بأن الفقهاء تعرضوا لبحث هذه المسألة تحت عنوان "نقل الوقف" أو "استبدال الوقف"، وأجازه بعضهم إذا ثبتت المصلحة.

وقد انتصر الشيخ تقي الدين بن تيمية لجواز المناقلة بالوقف للمصلحة، وذكر ذلك في مواضع؛ منها قوله في "مجموع فتاواه" (31/ 212، ط. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف): [(فصل: في إبدال الوقف) حتى المساجد بمثلها أو خير منها للحاجة أو المصلحة، وكذلك إبدال الهدي والأضحية والمنذور، وكذلك إبدال المستحق بنظيره إذا تعذر صرفه إلى المستحق.

والإبدال يكون تارة بأن يعوض فيها بالبدل، وتارة بأن يباع ويشترى بثمنها المبدل. فمذهب أحمد في غير المسجد يجوز بيعه للحاجة. وأما المسجد فيجوز بيعه أيضًا للحاجة في أشهر الروايتين عنه، وفي الأخرى لا تباع عَرْصَته، بل تنقل آلتها إلى موضع آخر] اهـ. وفيها أيضًا (31/ 261): [وسئل عن تغيير صورة الوقف، فأجاب: الحمد لله، أما ما خرج من ذلك عن حدود الوقف إلى طريق المسلمين وإلى حقوق الجيران، فيجب إزالته بلا ريب.

وأما ما خرج إلى الطريق النافذ فلا بد من إزالته، وأما إن كان خرج إلى ملك الغير، فإن أذن فيه وإلا أزيل. وأما تغيير صورة البناء من غير عدوان، فينظر في ذلك إلى المصلحة، فإن كانت هذه الصورة أصلح للوقف وأهله أقرت، وإن كان إعادتها إلى ما كانت عليه أصلح أعيدت، وإن كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف بنيت. فيتبع في صورة البناء مصلحة الوقف ويدار مع المصلحة حيث كانت.

وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين؛ كعمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما قد غيرا صورة الوقف للمصلحة، بل فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما هو أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم، فصار سوق التَّمَّارين، وبنى لهم مسجدًا في مكان آخر. والله أعلم] اهـ.

ويدل على ذلك أمور، منها ما يلي:

1- أن عدم الاستفادة من الوقف مع تعطل منافعه فيه إفساد للمال، وهذا قد نهت الشريعة عنه؛ فعن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» متفق عليه. ووجه الدلالة فيه واضح.

2- ما رواه الطيالسي في "مسنده" عن يعلى بن مُنْيَةَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلًا عليه جُبَّة عليها أثر خَلُوقٍ أو صُفْرَة، فقال: «اخْلَعْهَا عَنْكَ واجْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَجْعَلُ فِي حَجِّكَ». قال قتادة: وقلت لعطاء: كنا نسمع أن قال: «شُقَّهَا»، قَالَ: هَذَا فَسَادٌ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. ووجه الدلالة فيه: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر هذا المحرِم بنزع ثيابه مع ما يكون فيه من تغطية رأسه أثناء الخلع، وكان يمكن أن يأمره بشق الثوب؛ هروبًا من المخالفة، ولكن لما كان الأمر بالشق فيه إفساد للمال تم تحمل هذه المخالفة؛ تجنبًا لهذا الإفساد. ويتعلق هذا بما نحن بصدده بأن ترك الوقف دون الانتفاع به، مع إمكان التوفيق بين الانتفاع والوقف بالاستبدال، يكون فيه إفساد للمال، المندرج في عموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، وهذا فهم عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه.

3- ما أخرجه البخاري ومسلم عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ؛ بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»، فذلك الذي حمل ابن الزبير رضي الله عنهما على هدمه، قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر.

ووجه الدلالة: جواز الهدم والتغيير في بناء الكعبة من أجل الانتفاع الأكمل منها، ويظهر هذا جليًّا في مسألة إلزاق الباب بالأرض، وجعل لها بابين، وهذا عند التأمل ليس بضرورة، ومع ذلك كان سيتم هدم الجزء الذي فيه الباب من أجل ذلك؛ قال ابن قاضي الجبل في "المناقلة بالأوقاف" (1/ 529): [ووجه الاحتجاج ... : أن عمارة البيت الذي هو أشرف المساجد بَيَّنَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه لولا المانع من حدثان عهد القوم كما ذكر لهدمها وغَيَّر وضعها وهيأته؛ طولًا وزيادة من الحجر وإلصاقًا لبابها بالأرض، فدل ذلك على مساغ مطلق الإبدال في الأعيان الموقوفات للمصالح الراجحات] اهـ.

4- أن الصحابة غيروا كثيرًا من بناء مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبدلوه بأمكن منه للمصلحة الراجحة في ذلك؛ روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ: وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً: وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ، وَالقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ -نوع من الخشب الثمين-".

وخلصت دار الإفتاء إلى أنه يجوز تقليدًا لهذا القول استبدال الأرض الموقوفة للمسجد بغيرها وبناء معهد ديني أو غيره من المشاريع الخيرية محله، إذا كانت مصلحة الوقف في ذلك؛ بأن تكون مساحة البقعة الجديدة المنقول إليها أكبر من مساحة نظيرتها القديمة، وأن تكون أرفق بالمصلين، ويكون بناء المسجد أبهى وأفخم من القديم، والذي يحكم بذلك هو القاضي، وليس للعامة نظر في ذلك.

وأشارت إلى أنه فيما يتعلق ببقاء الأحكام المتعلقة بالمسجد للبقعة القديمة إذا تم نقل المسجد وإنشاء بناء آخر محله؛ من نحو مشروعية الاعتكاف، واستحباب تحية المسجد، وحرمة مكث الحائض والجنب فيه، فالأحكام متعلقة بالوصف، فإذا بيع المسجد بناء وأرضًا أو استبدل فإن المسجدية بأحكامها تتحول إلى المسجد الجديد، أما إذا بقيت أرضه فالأرض باقية على أصل المسجدية، فتبعية الهواء للمسجد إنما تكون في حال بقائه على حاله، فإذا تحول إلى بناء آخر كان هواه تبعًا للبناء الجديد كأي بناء.

قال الشيخ الرحيباني الحنبلي في "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (4/ 369، ط. المكتب الإسلامي): [ويصير حكم المسجد بعد بيعه للثاني الذي اشتري بدله. وأما إذا نقلت آلته من غير بيع؛ فالبقعة باقية على أنها مسجد] اهـ.

اضافة تعليق