شبابك قبل هرمك.. كيف تغتنم الفرصة قبل فوات الأوان؟

الإثنين، 19 أغسطس 2019 09:48 ص
شبابك قبل هرمك


 من أفضل ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين ما جاء على لسانه في نصيحة أبي ذر الغفاري حينما قال له : "يَا أَبَا ذَرٍّ : اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ : قَبْلَ هَرَمِكَ . وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ .  وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ . وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ . و حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ".

تضمنت وصايا النبي الخمسة التي نبه إليها، ضرورة أن يغتنم الشباب فرصة القوة التي منحها الله لهم قبل أن يهرموا ويشيخوا ولا يقووا على العمل، لأنّ الشباب هم عصب الأمم والقوة الفاعلة، وهم بناة المستقبل؛ حيث قوة البنيان والهمم العالية؛ لذا كانت عناية الإسلام بالشباب كبيرة؛ فحث على تدعيم قدراتهم، وتمكينهم، ورفع العوائق من أمامهم، والاستفادة من طاقاتهم وإمكانياتهم.

ولقد أعطي النبي صلى الله عليه وسلم الشباب الثقة ومنحهم المسئولية، فهذا مصعب بن عمير، لم يتجاوز الثلاثين من عمره، يبعثه النبي سفيرًا ، وأسامة بن زيد لم يبلغ العشرين من عمره ويوليه النبي قيادة جيش المسلمين، وهذا عتاب بن أسيد يجعله النبي أميرًا على مكة وهو ابن عشرين عامًا.



كما أوصي النبي صلي الله عليه وسلم باغتنام الشباب لما فيه من الفوائد فقال صلي الله عليه وسلم: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك.." (أخرجه الحاكم) ، وقد بين صلى الله عليه وسلم مكانة الشباب الذي ينشأ على طاعة الله بالقول: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... شاب نشأ في عبادة الله ...»، (أخرجه الشيخان).

فالشباب ضيف سريع الرحيل فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت نفسه بعدُ حسرات.. فكم من شاب صغير وجد نفسه فجأة متجاوزًا لسن الأربعين، دون أن يشعر بهذه المرحلة التي تعد ميزان عمر الإنسان، ودون ان يحثث شيئا مما أراد له الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، في تحصيل متاع الدنيا والأخرة، من عمل وعلم نافع وزواج وأسرة يشرع في تكوينها، وبناءها على الأساس الصحيح.

فالشباب هو زمن العمل، لأنه فترة قوة بين ضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم وصححه)، قال الإمام أحمد: "ما شبهتُ الشباب إلا بشيء، كان في كُمِّي فسقط".

إلا أن الكثير من الشباب يقف مكتوف الأيدي، حبيس اليأس والكرب دون التماس الفرج، فيمر العمر ويتجاوز قوة الشباب دون تحقيق أي شيء، فالشباب هو وقت القدرة على الطاعة، فمن ثم يسأل الله عز وجل كل عبد من عباده عن نعمة الشباب كيف صرّفه، وبم أبلاه، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟» (رواه الترمذي).

وعدّ صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «شابا نشأ في عبادة الله». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما آتى الله عز وجل عبدا علما إلا شابا، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله عز وجل: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60]، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13]، وقوله  تعالى:  {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12].

 كيف تنشئ جيلاً قويًا من الشباب؟

حسن التربية

ربى النبي، الشباب على الموازنة بين العاطفة والعقل، الروح والجسد، العلم والعمل، وقد كان النبي، يقف ضد كل توجه غير صحيح، أو تفكير خاطئ، أو ممارسة سلبية؛ من ذلك ما روي أن النبي، جلس للناس ووصف يوم القيامة، ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل، ولا يقربوا النساء ولا الطيب، ويلبسوا المسوح  و يرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، ويترهبوا ويخصوا المذاكير، فبلغ ذلك النبي،، فأتى منزل عثمان فلم يجده، فقال لامرأته: " أ حق ما بلغني؟ " فكرهت أن يكذب رسول الله،، وأن تبتدئ على زوجها فقالت: يا رسول الله، إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول الله،، وأتى عثمان منزله فأخبرته زوجته بذلك، فأتى هو و أصحابه إلى النبي، فقال: " ألم أنبأ أنكم اتفقتم؟ " فقالوا: ما أ ردنا إلا الخير. فقال،: " إني لم أؤمر بذلك، ثم قال: إن لانفسكم عليكم حقا، فصوموا وافطروا، وقوموا وناموا، فإني أصوم وأفطر، و أقوم وأنام، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ثم جمع الناس وخطبهم، وقال: " ما بال قوم حرموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا ! وأما أنا فلست آمركم أن تكونوا قسسة ورهبانا، إنه ليس في ديني ترك النساء واللحم، واتخاذ الصوامع، إن سياحة أمتي في الصوم، ورهبانيتها الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد، شددوا على أ نفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع" .

فقد رفض النبي، التوجه الخاطئ نحو الرهبانية، وترك الطيبات، وأوضح بكل جلاء أنه ليس في الإسلام رهبانية، بمعنى الانعزال عن الدنيا، وترك الزواج، وعدم استخدام الطيب، وإنما الإسلام يدعو إلى التوازن بين متطلبات الجسم ولوازم الروح، والإنسان كما يحتاج لإشباع غرائزه وشهواته المادية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومنكح، يحتاج كذلك لإشباع ميوله ورغباته المعنوية؛ وأي طغيان لجانب على حساب الآخر سيؤدي إلى خلل في الشخصية، وانحراف عن منهج الإسلام.

 الرفق بالشباب

تعامل الرسول، برفق مع الشباب، وهذا مما زاد في إعجاب الشباب بالنبي،، والتفافهم حوله، وقد مدح القرآن الكريم تعامل النبي، مع الناس باللين والرفق، يقول تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ 5.

وقدكان النبي، يحث على الرفق، فقد روي عنه، قوله: "إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه" وعنه، أيضاً: "إياكم والتعمق في الدين، فإن الله قد جعله سهلاً، فخذوا منه ما تطيقون، فإن الله يحب ما دام من عمل صالح، وإن كان يسيراً".


 الثناء على الشباب

 كان النبي، كثيراً ما يثني على الشباب المؤمن؛ فقد روي عن النبي، قوله: "ما من شاب يدع لله الدنيا ولهوها، وأهرم شبابه في طاعة الله، إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً".

وعنه، أيضاً أنه قال: "إن أحب الخلائق إلى الله عز وجل شاب حدث السن في صورة حسنة جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته، يقول: هذا عبدي حقاً" وقال، أيضاً: "فضل الشاب العابد الذي تعبد في صباه على الشيخ الذي تعبد بعدما كبرت سنه كفضل المرسلين على سائر الناس".

وكان لثناء النبي صلى الله عليه وسلم على الشباب دور مهم ومؤثر في كسب المزيد منهم، والتفافهم حول قيادة النبي، وهذا ما جعل للشباب دور فاعل في تقدم الدعوة، ونشر رسالة الإسلام إلى مختلف المناطق.

 الثقة

من أهم القواعد في بناء الشخصية وصنع النجاح هو الثقة بالنفس، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم، بإعطاء الشباب الكثير من المسؤوليات الكبيرة والمهمة، مما أدى لزيادة الثقة بأنفسهم، وتنمية إرادتهم.

فإن أول مبلغ بعثه النبي، لنشر الإسلام في المدينة المنورة كان مصعب بن عمير، وكان عندئذٍ في ريعان شبابه. وقد استطاع مصعب بالرغم من حداثة سنه أن يقنع الكثير من الناس في المدينة المنورة وقد عمل مصعب بكل جد وإخلاص من أجل التأثير في الناس، وإقناعهم برسالة الإسلام السمحة.



بعد فتح مكة بفترة زمنية قليلة، اضطر الرسول، للخروج منها بجيشه، والتوجه نحو جبهة القتال، وكان لابد من تعيين قائد لمكة لإدارة شؤونها، وقد اختار النبي، من بين جميع المسلمين شاباً لم يتجاوز الواحد والعشرين عاماً، وهو (عتاب بن أسيد) كقائد لمكة المكرمة في ظل غياب النبي، وأمر النبي، (عتاب بن أسيد) أن يصلي بالناس وهو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة.


وفي أواخر حياة النبي، عبأ، المسلمين لقتال الروم، وضم جيشه كبار الضباط وأمراء الجيش ورجال المهاجرين و الأنصار وشيوخ العرب والشخصيات البارزة آنذاك. وقد استدعى الرسول، أسامة بن زيد، وعقد له لواء القيادة وخوّله إمارة الجيش. واستعمله النبي، وهو ابن ثماني عشر سنة.


اضافة تعليق