كيف يبدل الله سيئاتك حسنات؟.. "الشعراوي" يوضح لك الشروط

السبت، 17 أغسطس 2019 01:41 م

"إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الفرقان:70)

يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي:

فربُّكم كريم ورحيم، إنْ تُبتْم تاب عليكم وقَبِلكم، فإنْ قدَّمْتُم العمل الصالح واشتدّ ندمكم على ما فات منكم من معصية يُبدِّل سيئاتكم حسنات.

وللتوبة أمران: مشروعيتها من الله أولاً، وقبولها من صاحبها ثانياً، فتشريعها فَضْل، وقبولها فَضْل آخر؛ لذلك يقول سبحانه:

{  ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ }

[ التوبة: 118] والمعنى: تاب عليهم بأنْ شرَّع لهم التوبة حتى لا يستحُوا من الرجوع إلى الله.

وقوله تعالى: { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً } [الفرقان: 70] تاب وآمن لمن عمل معصية تُخرجه عن الإيمان، فالعاصي لم يقارف المعصية إلا في غفلة عن إيمانه، كما جاء في الحديث الشريف: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".

ولو استحضر العاصي جلالَ ربه ما عصاه، ولتضخمتْ عنده المعصية فانصرف عنها، وما دام قد غاب عنه إيمانه فلا بُدَّ له من تجديده، ثم بعد ذلك يُوظِّف هذا الإيمان في العمل الصالح.

{ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً } [الفرقان: 70] فالجزاء { فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70] وليس المراد أن السيئة تُبدَّل فتصير حسنة مباشرة، إنما يرفع العبد السيئة ويحل محلها التوبة، وبعد التوبة يضع الله له الحسنة.

وقد أطمعتْ رحمة الله ومغفرته بعض الناس، حتى قال الشاعر:

مَوْلاَي إنِّي قَدْ عصيتُكَ عَامِداً        لأراكَ أجملَ ما تكُون غَفُوراً

وَلَقْد جنيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ كبَارَهَا        ضَنّاً بعفْوِك أنْ يكُونَ صَغِيراً.

حتى وصل الحال ببعضهم أنْ يستكثر من السيئة طمعاً في أن تُبدَّل حسنات، لكن مَنْ يضمن له أن يعيش إلى أنْ يتوب، أو أنه إنْ تاب قَبِل الله منه؟

والعلة النفسية التي تكلَّم عنها العلماء في هذه المسألة أن الذي ابتعد عن المعصية فلم يقع في شراكها لم يدرك لذة الشهوة، فلا تَأْتِي على باله، أمّا مَنْ خاض فيها، وذاق لذتها، وأسرف فيها على نفسه فيعاني كثيراً حينما يحجز نفسه وينأى به عن معصية الله، فهذه المعاناة هي التي جعلتْ له هذه المنزلة.


اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ...} إلى آخر الآيات. [68-70].

أخبرنا أبو إسحاق الثعالبي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد المخلدي، قال: أخبرنا المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزَّعْفَرَاني قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعد بن جبير، سمعه يحدث عن ابن عباس:
أن ناساً من أهل الشرك قَتَلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسنٌ لو تخبرنا أنَّ لما عملنا كفارةً. فنزلت: { وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ...} الآيات إلى قوله: { غَفُوراً رَّحِيماً} . رواه مسلم عن إبراهيم بن دينار، عن حجاج.

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي، قال: حدَّثنا والدي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدَّثنا إبراهيم الحَنْظَلِي ومحمد بن الصباح، قالا: حدَّثنا جرير، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحْبِيل، عن أبي مَيْسَرة، عن عبد الله بن مسعود، قال:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزَانِيَ حليلة جارك. فأنزل الله تعالى تصديقاً لذلك: { وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} .

رواه البخاري. [عن مسدِّد عن يحيى].

ومسلم عن عثمان بن أبي شَيْبَة، عن جرير.

أخبرنا أبو بكر بن الحارث، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق: قال: حدَّثنا الحارث بن الزبير، قال: حدَّثنا أبو راشد مولى اللهَبِيِّين عن سعيد بن سالم القَدَّاح، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:

أتى وَحْشيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنتُ أحب أن أراك على غير جِوَارٍ، فأما إذ أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله. قال: فإني أشركت بالله، وقتلت النفس التي حرم الله تعالى، وزنيت؛ هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: { وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} إلى آخر الآية. فتلاها عليه، فقال: أرى شَرْطاً، فلعلي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله تعالى. فنزلت: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فدعا به فتلاها عليه، فقال: ولعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: { قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} فقال: نعم، الآن لا أرى شرطاً، فأسلَمَ.

اضافة تعليق