(في أداء الأمانة وصون الحقوق)

الصادق الأمين.. الحق ما شهدت به الأعداء

الجمعة، 16 أغسطس 2019 03:24 م
حفظ الأمانات

جعل الإسلام أداء الأمانات من علامات الإيمان، وعد عكسها وهو الخيانة من علامات النفاق، تشديدًا على أداء الحقوق لأصحابها، وتأكيدًا على ضرورة صونها، وعدم تبديدها، فقال تعالى: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا".

والذي اتجه إليه أغلب المفسرين هنا، أن الخطاب في الآية عام، يشمل جميع الناس، وأن المقصود بـ "الأمانة" مفهومها العام، الذي يشمل جميع الأمانات، وليس مفهومها الخاص، فهي تشمل الأمانة في العبادات، والأمانة في المعاملات، والأمانة الخاصة، والأمانة العامة، والأمانة مع المسلم ومع غير المسلم، ومع الصديق والعدو، ومع الكبير والصغير، ومع الغني والفقير.

قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا": "والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور"، وعليه فإن كل أمرٍ وكل إلى الإنسان القيام به شرعًا أو عرفًا أو عادة فقد وجب عليه القيام به، فالصلاة أمانة، والغسل من الجنابة أمانة، وحفظ الأسرار أمانة، وتربية الأولاد أمانة، والوظيفة أمانة، وحفظ الودائع أمانة، بل نفس الإنسان وأعضاؤه وجوارحه؛ كالعين والأذن واللسان والقلب أمانة يجب عليه أن يحفظ تلك الأعضاء من أن يستخدمها في غير ما خلقت له.

والأمانة هي من سمات عباد الله الصالحين، ووصفهم الله تعالى بها فقال تعالى: "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ"، فجعل أداء الأمانة من تمام الإيمان، وهو ما نبه إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".

وأمر صلى الله عليه وسلم برد الأمانة: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"، ‌وعد خيانة الإيمان من علامات النفاق، فقال: "آية المنافق ثلاث: إذاحدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان".

وقد لقبت قريش، النبي بالصادق الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي من السماء، حتى إنه لما أمره الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، كانت لديه العديد من الأمانات، وخاصة بقريش، فترك عليًا بن أبي طالب ينام مكانه، حتى يردها لأصحابها.
وقالت عائشة -رضي الله عنها- في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: "وأمر -تعني رسول الله - عليًّا رضي الله عنه أن يتخلف عنه بمكة؛ حتى يؤدِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يُعلم من صدقه وأمانته... فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثلاث ليالٍ وأيامها؛ حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لَحِق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم".

فعلى الرغم مما فعلته به قريش من أذى وتنكيل، إلى حد التخطيط لمحاولة اغتياله والتخلص منه، إلا أنه ضرب مثلاً رائعًا في أداء الأمانة، حتى يعلمنا أنه لا مبرر للخيانة بأي حال، وتحت أي مسمى.

وقد شهد أعداؤه له بالصدق والأمانة، فعندما وقف أبوسفيان - وكان ذلك قبل إسلامه - أمام هرقل ملك الروم، عندما سأله الأخير عن ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأجاب: "يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة".

والأمانة أنواع:

- الأمانة العظمى، وهي الدين والتمسك به، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا"، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: الأمانة تعم جميع وظائف الدين.

وتبليغ الدين أمانة أيضًا، فالرسل أمناء الله على وحيه، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء".
- النعم التي حباها الله إياك، هي أمانة لديك يجب حفظها واستعمالها وفق ما أراد منك المؤتمن، وهو الله جل وعلا، فالبصر أمانة، والسمع أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، واللسان أمانة، والمال أمانة أيضًا، فلا ينفق إلا فيما يرضي الله.

- العرض أمانة، فيجب عليك أن تحفظ عرضك ولا تضيعه، فتحفظ نفسك من الفاحشة، وكذلك كل من تحت يدك، وتحفظهم عن الوقوع فيها، قال أبي كعب رضي الله عنه: "من الأمانة أن المرأة أؤتمنت على حفظ فرجها".

- الولد أمانة، فحفظه أمانة، ورعايته أمانة، وتربيته أمانة.

- العمل الذي توكل به أمانة، وتضييعه خيانة، فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله ؟ قال: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما سأله أن يوليه قال: "………. وإنها أمانة ……… ".

- السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، ولو حصل بينك وبين صاحبك خصام فهذا لا يدفعك لإفشاء سره، فإنه من لؤم الطباع، ودناءة النفوس، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة".

وأخطر من ذلك إفشاء السر بين الزوجين، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها".

- الأمانة، بمعنى الوديعة، وهذه يجب المحافظة عليها، ثم أداؤها كما كانت.
ومن صور الأمانة: قال صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لأصحابه رضي الله عنهم: "اشترى رجل من رجل عقارًا له، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم ابتع منك الذهب، فقال الذي شرى الأرض (أي: الذي باعها): إنما بعتك الأرض وما فيها، قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام بالجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه، وتصدقا".

فإذا وجدت شيئًا لا يخصك يجب عليك أن تعيده لأصحابه بل ولا يحق لك أن تأخذ ما تشك في ملكيته، مع ضرورة التعفف عن أموال الآخرين، وعدم الطمع فيها.
وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني إسرائيل أنه سأل رجلاً من بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها، يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة ونقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صحابه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بذلك، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده.

فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشية التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم أقدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركبة لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي شيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه‍‍‍، ‍‍قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشية، فانصرف بالألف دينار راشدًا".

"وأما سلفنا السابقون فقد تجذرت الأمانة في قلوبهم، فبها يتبايعون، ويتعاملون ، ولهم في ذلك قصص وأخبار، من ذلك ما حكاه ابن عقيل عن نفسه: حججت فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال: خذ الدنانير، فامتنعت وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد فأويت بحلب إلى مسجد وأنا بردان جائع، فقدموني، صليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي فصل بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا: لإمامنا بنت فزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها ولدًا بكرًا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يومًا فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها: لهذا قصة، وحكيت لها، فبكت وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد عليّ، وقد استجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد .

وقال ابن المبارك: "استعرت قلمًا بأرض الشام، فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه" .

اضافة تعليق