الجليس الصالح.. والجليس السوء.. اختر أيهما من تكون برفقته

الخميس، 15 أغسطس 2019 10:39 ص
حامل المسك ونافخ الكير

في اختياراتنا للزواج، نبحث بعناية شديدة عمن نراه الأصلح والأنسب لنا، ويتوافق إلى حد كبير مع شخصياتنا، وهو اختيار يخضع لمعايير مشددة، لأننا نختار شريك أو شريكة العمر، واختيار الصديق لا يقل أهمية عن اختيار الزوج أو الزوجة، لأن الصديق هو المرآة التي نرى فيها أنفسنا، ونكتشف أنفسنا من خلاله، ولا يمكن إغفال حقيقة التأثير المتبادل بين الأصدقاء، سواءً بالإيجاب أو السلب، لكنه في النهاية حقيقة واقعة لا يمكن إغفالها بأي حال.


وأجمل نموذج في الصداقة يمكن أن نستعرضه، هي صداقة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق، فقد كان الصديق الصدوق للنبي، وهو الذي كان برفقته عند الهجرة من مكة إلى المدينة، وتحمل معه المخاطر، من أجل تبليغ رسالة رب العالمين إلى البشرية، بذل من ماله، وجهده، ووقته ما جعل النبي يقول عنه: "أن إيمان أبي بكر لو وُزن بإيمان الأمة لرجح به".

وقد تشابه أبوبكر مع النبي في الكثير من الخصال الحسنة، التي جعلته أهلاً لأن يكون صديقًا للنبي، وأول من أسلم بين الرجال، فهو مثله لم يشرب الخمر في الجاهلية أو الإسلام، ولما سئل رضي الله عنه هل شربت الخمر؟ قال: "لم أشربها لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فقيل: لماذا.. وهي لم تكن محرمة قبل الإسلام؟، فقال: لأنها مـذلـة للرجل مذهبة للعقل".

وقد لقب "الصدّيق" في الجاهلية لِما عرف منه من الصدق، إذ كان وجيهًا رئيسًا من رؤساء قريش وإليه كانت الديات في الجاهلية، وكان إذا حمل شيئًا قالت فيه قريش: "صدّقوه وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه أبو بكر"، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه، وفي الإسلام سُمي "الصدّيق" لمبادرته إلى تصديق النبي في كل ما جاء به وأول ما اشتهر به لتصديقه له في خبر الإسراء والمعراج، عندما كذبت قريش ذلك الخبر وجاءوا إلى أبي بكر قائلين: "هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس"، فقال: "لئن كان قال ذلك لقد صدق".

واختيار النبي لأبي بكر ليكون صديقه في رحلة الهجرة كانت نابعة من تقدير له، فقد كان يطلب أن يأذن له بالهجرة لكنه يقول له: "تمهل لعل الله يتخذ لك رفيقا وشاء الله أن يكون هذا الرفيق لأبي بكر رضي الله عنه خير رفيق ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلد القرآن الكريم هذه الرفقة بما لا يزال يتلى في كتاب الله العزيز من آيات الذكر الحكيم والتي منها هذه الآية، "إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

هكذا تكون الرفقة الصالحة، التي تقوم في الأساس على المحبة، والتعاضد بين الأصدقاء، فيقول النبي الكريم: "إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة"، تشبيه يوضح إلى أي مدى يكون نفع الصديق إذا صلح، والضرر الذي يتسبب فيه إذ كان عكس ذلك.

ولا ريب أن الصديق إذا كان صالحًا، فسيكون خير معين لصديقه على الطاعات، وسيأخذ بيده إلى الطريق الصحيح، وإذا ما رأى منه أعوجاجًا قومه بالنصح والإرشاد، فلا يسقط في المحظور، ولا يصدر منه ما يدفع به إلى غير طريق الرشاد.

وكل صداقة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله، عز وجل، فيقول الله تعالى "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ".

يقول الحسن البصري رحمه الله: :"استكثروا من الأصحاب الصالحين في الدنيا فإنهم ينفعون يوم القيامة، فقيل له كيف ينفعون؟، قال: "بينما أهل الجنّة في الجنّه إذ تذكروا أصحابهم في الدنيا وأحوالهم في الدنيا، فَيقول قائلهم مافعل صديقي فلان؟ لا أراه في الجنّه! فَيُقال هو في النار، فيقول هذا المؤمن: "يارب لاتكتمل لذتي في الجنه الا بصديقي فلان"، عندها يأمر الله تعالى فَيُخرج صديقه من النار الى الجنّه، إكرامًا لصديقه الذي في الجنة: اُخرِج صديقه من النّار فيقول أهل النار: عجبًا من شفع له؟ أبوه شهيد؟ أخوه شهيد؟ فيقال لا! هل الملائكه شفعت له؟ فيقال لا! وإنّما شفع له صديقه فلان، عندها يقول أهل النار "فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ".

ويقول محمد بن واسع: "لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلوات الخمس يصليهن فِي الجميع فيعطى فضلهن ويكفى شرهن، وجليس صالح تفيده خيرًا ويفيدك خيرًا، وكفاف من العيش ليس لأحد عليك فيه منة ولا يخاف من اللَّه فيه التبعة".

ومن جميل ما قيل في الأخوة الحسنة: "الود الصحيح: هو الذي لا يميل إلى نفع، ولا يفسده منع، والمودة أمن، كما أن البغضاء خوف".

اضافة تعليق