Advertisements

جبل "عيينة".. نقطة فاصلة في طاعة المعصوم

الأحد، 11 أغسطس 2019 01:12 م
___ _µµ__


جبل صغير يقع شمال المسجد النبوي على بعد نحو ثلاثة كيلومترات منه. وهو الجبل الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرماة أن يتمركزوا فيه في غزوة أحد، ليَحمُوا ظهورَ المسلمين مِن تسلُّلِ المشركين.

واسم الجبل جبل عَينَين، لكن بعد حصول تلك الوقعة سمي بجبل الرماة.

وفي الصحيح عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - يحدِّث قال: (جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرَّجّالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلا- عبدَ الله بنَ جُبَير، فقال: «إن رَأَيتمونا تَخطَفُنا الطَّيرُ فلا تَبرَحُوا مكانَكم هذا حتى أُرسِلَ إليكم، وإن رأيتمونا هَزَمنا القَومَ أو وأَوطأناهم فلا تَبرَحُوا حتى أُرسِلَ إليكم»، فهزموهم، قال: فأنا -والله- رأيتُ النساءَ يَشتَدِدنَ قد بَدَت خَلاخِلُهنّ وأَسوُقُهنّ رافِعاتٍ ثِيابَهنّ، فقال أصحابُ عبدِ اللهِ بنِ جُبَيرٍ: الغَنِيمةَ أَي قَومِ، الغنيمةَ، ظَهَرَ أَصحابُكم، فما تَنتَظِرُون! فقال عبدُ الله بن جُبَير: أَنَسِيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: واللهِ لَنَأتِيَنَّ الناسَ فلَنُصِيبَنَّ مِن الغنيمة، فلمّا أَتَوهم صُرِفَت وُجُوهُهم، فأَقبَلُوا مُنهَزِمِين، فذاك إذ يَدعُوهم الرَّسُولُ في أُخراهم، فلم يَبقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم غيرُ اثني عشر رَجُلا، فأَصابُوا منّا سبعين).

 ويمتد هذا الجبل من الشمال إلى الجنوب مع شيء من الميل نحو الشرق وبقربه مجرى وادي العقيق، وهو قليل الارتفاع بني عليه في العهد العثماني مسجد صغير وبعض البيوت وأزيلت مؤخراً، وقد تضاءل حجمه وارتفاعه حالياً بسبب ارتفاع مستوى الأرض المجاورة له بالطمي الذي كانت تخلفه السيول من وادي العقيق، وبسبب تحسين المنطقة وشق الطرق حولها لذلك تبدو بقاياه اليوم دون ما كانت عليه من قبل. وقد دفن عدد من شهداء أحد بقربه من جهة الشمال.

 وبينما كان المسلمون في بداية النصر على كفار قريش، وقع من الرماة في الجيش خطأ قلب وضع المعركة، وأدى إلى إلحاق الخسائر الكبيرة بالمسلمين، وحول النصر إلى هزيمة استفاد منها الصحابة والمسلمون من بعدهم إلى يومنا هذا.. ومن ثم فقد كانت غزوة أحد بما فيها من أحداث وجراح مؤلمة، تربية للأمة في كل زمان ومكان، لما فيها من دروس كثيرة، تتوارثها الأجيال تلو الأجيال، ومنها أثر المعصية ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم في إلحاق الفشل والهزيمة بالمسلمين .

وفي ذلك قال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 165).

 وانكشفت المعركة عن مقتل سبعين صحابيّاً وجرح العديد منهم، وانصرف المشركون مكتفين بالذي حقّقوه، ولحقت الهزيمة بالمسلمين نتيجة مخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله في شأن هذه الغزوة نحواً من خمسين آية في سورة آل عمران، واصفاً أحداثها ، ومبيّناً أسباب الهزيمة والتي كان من أهم أسبابها المعصية ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

 ومن خلال غزوة أحد ظهر لنا أن مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمعاصي من أهم أسباب الهزيمة وتخلف النصر عن الأمة، فبسبب معصية واحدة خالف فيها الرماة أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ذهب النصر بعد أن انعقدت أسبابه، ولاحت بوادره، فالمسلمون انتصروا في بداية المعركة حينما امتثلوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، بينما انهزموا حينما خالفوا أمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي ذلك يقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران:152).

 لتكن غزوة أحد درساً عملياً للصحابة الكرام، وإن كان الثمن غالياً إلا أنه باق على مر العصور، يتعلم منه المسلمون شؤم وعقوبة المعصية، فإذا أَمَرَ الرسول صلى الله عليه وسلم فلا خِيرة لنا، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} (الأحزاب: 36).

فمخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم سبب كل عناء، وطريق كل شقاء، وهي من أسباب الهزيمة في الحروب، ومن ثم ينبغي الحذر منها والبعد عنها، قال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:165)، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30) .

اضافة تعليق