Advertisements

د. عمرو خالد يكتب عن ذكرياته في يوم "عرفة".. يوم إجابة الدعوات

السبت، 10 أغسطس 2019 12:09 م
_118067_b3

 يوم عرفة هو يوم تستجاب فيه الدعوات، وتقال العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو يوم عظم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، في يوم عرفة ينزل الله عز وجل إلى السماء في الوقت من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، فأكثروا من الدعاء فيه، حتى تكونوا ممن شملهم الله بمغفرته ورحمته.

ويستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ لما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة قبلها وسنة بعدها"، لكن لا يستحب صيامه لمن كان حاجًا، حتى لا يضعفه عن الذكر والعبادة في ذلك اليوم.

وأتذكر في اليوم السابق للصعود إلى جبل عرفة، قصة حدثت معي شخصيًا، وكانت في ثاني مرة أذهب فيها لأداء الحج، وكنت لا أزال صغيرًا، وكنت آنذاك أسكن في مكان بعيد عن الحرم المكي في منطقة اسمها "كوز النكاسة" وتبعد عن الحرم تقريبًا 25 دقيقة بالسيارة.

صادفت في طريقي واحدًا من سكان مكة وركبته معه سيارته، فأمال علي، وقال أنت مصري؟، قلت نعم، قال مبروك غدًا تطلع على عرفات، فقلت الله يبارك فيك فقال عاهد ربك، فقالت كيف؟، قال: غدًا سيغفر لك فعاهده على شيء كبير".
كنت في ذلك الوقت شابًا ولم أكن بدأت رسالتي بعد ولم أكن بدأت عملي في الدعوة بالمساجد والتليفزيون بعد، وحينها قلت له أشرح أكثر من فضلك؟، فقال: إذا كان سيغفر لك غدًا، فعاهده أن تفعل أمرًا كبيرًا، وكن صادقًا معه بعهد كبير، عندما تعود من الحج أن تحقق له عهدًا كبيرًا، فقلت له من أين أتيت بهذا الكلام؟، فقال لي جدي من أهل مكة، كان يطلب منا هذا الأمر منذ سنين".

فسكت وبدأت في يوم 8 ذي الحجة، وأنا ذاهب للحرم أصلي فكرت في شيء أعاهد الله عليه، وإذا بأمر في قلبي، وقلت يا رب أعاهدك أن أبذل جهدي وعمري في أن أحببك الناس فيك، فأعني على هذا، وبعدما عدت من الحج بفترة قصيرة كانت أول مرة أتحدث في مسجد، ولم يكن بترتيب مني وجدت هذا يحدث تلقائيًا وكأن الله اطلع على قلبي وأعانني على هذا.

وهذه أول مرة أتحدث عن هذه القصة للناس، لكنني دائمًا ما كنت أذكرها الحجاج خلال أداء الحج، وأذكر لهم قصة الرجل المكي معي، وأطلب منهم أن يعاهدوا الله على أمر كبير.

ذات مرة أتاني شاب، وقال لي: لي 10 سنين أفعل ذنبًا ولا أستطيع أن أمتنع عنه، وكلما أمتنع عنه أضعف وأفعله مرة أخرى، هل ينفع أعاهد الله على عهد وأطلب منه أن يقويني على هذا العهد؟، فقالت يا الله هذا أفضل عهد، هذا عهد وعبودية لأنك خرجت من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته.

بعدها حكي لي الشاب عما فعله، قائلاً: عاهدت الله يوم 8 ذي الحجة، وفي ليلة عرفة، قلت أعاهدك على التوبة، وأن أقلع عن هذا الذنب، ولكني أتوسل إليك أن تعينني على هذا قويني، لأني لن أستطيع بمفردي ولكن بحولك وقوتك".

وبعد سنتين، قابلت هذا الشاب، فقال لي يا دكتور أنا أقلعت عن الذنب، ولكن ليس بجهدي فالله غير لي أسلوب حياتي حتى خرج هذا الذنب بعيدًا عن دائرة حياتي، فقد سافر صاحب سوء كنت أعرفه وخرجت لدنيا نقية نظيفة.

لهذا أكثر من الدعاء يوم عرفة حتى وإن لم تكن في الحج ألم تعلم أن من صام يوم عرفة يغفر له سنة ماضية وسنة لاحقة، ماذا تريد أكثر من هذا؟، كما يستجاب دعاؤك في هذا اليوم.

ادخل يوم عرفة وأنت تائب إلى الله، واستعد له بكل طاقتك الروحية والنفسية وتب إلى الله، فهو يوم القبول والإجابة ورضا الله، وعليك اغتنامه بالذكر والعبادة والتقرب إلى الله تعالى.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما معناه: "ما من يوم طلعت عليه الشمس خير من يوم عرفة"، ويقول أيضًا: "ما ممن يوم يعتق الله فيه الرقاب أعظم من يوم عرفة"، ويقول أيضًا: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة"، ويقول: "إذا كان يوم عرفة، فإن الله يباهي بعباده الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا يا ملائكتي شعثًا غبرًا أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم".

وهذا اليوم أضمن حتى من ليلة القدر، لأن ليلة القدر غير معلومة ولكن يوم عرفة معلوم ويستجاب فيه الدعاء ويفوز به الجميع، فعليكم بالدعوات الكبيرة في حياتكم في يوم عرفة.

وأتذكر أنني لم أشهد ساعة يبكي فيها الناس، مثل آخر ساعة قبل مغرب يوم عرفة، قبلها تجد أناسًا نائمين، لكن في وقت الزوال في آخر ساعة قبل المغرب، تسمع دعوات بكل اللغات من كل الخيام في عرفة، حقًا خير الدعاء دعاء يوم عرفة لمن يحج ولمن لا يحج.

ادع الله الفوز بالجنة والعتق من النار، ومرافقة النبي في الجنة هذه هي أغلى دقائق في الحياة، هناك أناس الدقائق الغالية في حياتهم هي آخر دقائق في مباراة كرة قدم، أو سيكسب مبلغًا من المال أم لا، ولكن الحقيقة أغلى دقائق في الحياة هي دقائق الساعات الأخيرة قبل غروب شمس يوم عرفة.

ولي تجربة شخصية مع الدعاء في يوم عرفة، فأنا لم أرزق بأطفال لمدة 10 سنوات من زواجي، والأطباء قالوا ليس هناك أمل في الإنجاب، وفي يوم عرفة، طلبت من الحجاج أن يدعوا لي ودعوت من قلبي، ووالله بعدما نزلت من عرفة وذهبت إلى منى وعدت إلى مصر، إذا بزوجتي شعرت ببعض تعب، فذهبت للطبيب، فقال مبروك أنت حامل، ورزقت ابني علي، فأنظر له، وأقول: يا ابني أنت آية من آيات يوم عرفة أنت آية من آيات الحج، فلا يمكن تحج وألا يكرمك الله بعطاء كبير.

وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء إن ظن خيرًا فله وإن ظن شرًا فعليه"، فإذا ظننت في أن الله أنه سيغفر لك سيغفر لك، وإذا ظننت بأنه لن يغفر لك فلن يغفر لك، لذلك عليك بحسن الظن بالله فليكن ظنك في ربنا جميلاً.

وهناك أناس يتمنون أن يقوي الحج بداخلهم حسن الظن بالله وهو معنى جميل جدًا، لكن الله يختبرك في حسن الظن به فتحصل به نتائج عكسية، كنت تظن أن الله سيكرمك في أمر ما، فيحصل العكس، وذلك حتى يختبرك، هل ستكمل يقينك بالله، وأن ظنك به سيحدث كل خير لك حتى فيما كنت لا تظنه خيرًا لك.

استسلم إلى الله، واستمر في حسن الظن بالله وبعد هذا الامتحان ستجد من آيات الله عجبًا وسيكرمك من فضله الكبير، ولا تكن ممن قال الله عنهم: "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة". لذلك كن مع الله وأحسن الظن به، وسيحقق لك كل آمالك، فلا يخيب ظن عبد به.

اضافة تعليق