التجرد والمداومة والتقاء الأرض بالسماء.. كيف يحدث هذا في الحج؟

الخميس، 08 أغسطس 2019 09:39 ص
التجرد والمداومة والتقاء الأرض بالسماء



كشف الدكتور علي جمعة مفتي مصر، السابق وعضو هيئة كبار العلماء عن ثلاث معان جديدة وسامية وحكم شريفة عالية للحج تدعونا للتأمل في أركانه وأفعاله‏, ‏والنظر في نتائجه وآثاره‏,‏ وهي في الجملة تطهير الأبدان وتزكية النفوس.

وأوضح,‏ أن أفعال الحج كلها تربية عملية على الطاعة التامة لله رب العالمين‏,‏ والإخلاص في العبودية له، والامتثال لأمره‏, ‏فضلاً عن شمولها لكثيرٍ من المعاني التي تسهم في بناء مجتمع إسلامي متكامل‏,‏ ووحدة عضوية وروحية مترابطة‏.


وقال جمعة إن ‏من تلك المعاني العظيمة‏:‏



‏(1)‏ التجرد‏:‏ فالحج ينأى بالإنسان عن هموم الحياة وتعلقه بها لتصفو نفسه وتسمو روحانيته فيزداد قربا من الله‏,‏ وأولى خطوات هذا التجرد هي الإحرام‏,‏ الذي يعني التجرد من كل ما سوى الله‏,‏ وأسوتنا في هذا التجرد وذلك التعلق ما فعله وقاله أبو الأنبياء إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين‏: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [‏إبراهيم‏:37].

والحاج في هذه الحالة من التجرد لله يتشبه بالملائكة في التجرد المحض للخير‏,‏ قال الله تعالى فيهم‏: (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التَّحريم:6] وفي ذلك يقول الإمام الغزالي‏: «‏التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين‏,‏ والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين‏,‏ والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين‏;‏ فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان‏,‏ والمتجرد للشر شيطان‏,‏ والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان» [‏الإحياء 3/105].

وعندما يكون المرء أقرب للملائكة ينبذ الرفث ويهجر الفسوق ويتزود بخير زاد‏,‏ كما قال تعالى‏: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197],‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: «‏من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (‏صحيح البخاري)....

‏(2)‏ المداومة بعض الوقت على أعمال الآخرة‏:‏ ومظهر ذلك الذكر والتلبية‏ ,‏فعندما يتجرد القلب لله يعرف القصد والغاية‏,‏ فلا يقطعه عنه قاطع‏,‏ ولا يشغله عنه شاغل‏,‏ فيلهج لسانه بذكر الله عز وجل ودعائه وتلبيته‏,‏ فلا نسمع إلا صدى التلبية وأصوات التكبير التي تبين أن هذه الأمة في حقيقتها إنما تكبر الله‏,‏ وتستصغر كل شيء سواه‏,‏ وتتحقق بذلك واقعا‏,‏ فتبتهج الخلائق من حول الحجاج فتشدو أجمل الألحان وأصدقها‏: «‏لبيك اللهم لبيك‏,‏ لبيك لا شريك لك لبيك»,‏ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏: «‏ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هنا ومن هنا» .

وهذا الذكر يؤدي إلى شحن القلوب وغمرها بفيوض الإيمان‏,‏ وإلى تقوية الصدور باليقين والتجرد لرب العالمين‏.



3)‏ التقاء الأرض بالسماء‏:‏ ففي ظل هذه الروح العامرة بالذكر تلتقي الأرض بالسماء حين تقع عين المرء على الكعبة المشرفة ويعلم أن الدعاء عندها مطلوب ومستجاب‏;‏ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: «‏الحجاج والعمار وفد الله‏,‏ إن دعوه أجابهم‏,‏ وإن استغفروه غفر لهم».‏ قال المناوي‏: «‏وعند رؤية الكعبة يحتمل أن المراد أول ما يقع بصر القادم إليها عليها‏,‏ ويحتمل أن المراد ما يشمل دوام مشاهدتها‏,‏ فما دام إنسان ينظر إليها فباب السماء مفتوح والدعاء مستجاب‏, ‏والأول أقرب» (‏فيض القدير 3/339).‏

وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش وأيضا الطائفين حول البيت المعمور في السماء السابعة‏,‏ وما القصد طواف الجسم‏, ‏بل طواف القلب بذكر الرب سبحانه‏. ‏وفي التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت‏, ‏وتبركا بالمماسة وبالإلحاح في طلب المغفرة‏.‏

وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاة تردد العبد بفناء الملك ذهابا ومجيئا إظهارا للخلوص في الخدمة‏, ‏ورجاء للملاحظة بعين الرحمة‏, ‏والتجاء إلى من بيده الضر والمنفعة‏.‏


اضافة تعليق