Advertisements

د. عمرو خالد يكتب: ذكريات حاج (قصص وعبر)

الثلاثاء، 06 أغسطس 2019 03:15 م
_118067_b3


هلت علينا أيام قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يا رسول اللهِ ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"، فالأجر في هذه الأيام مضاعف والثواب فيها أعظم من غيرها، وهنيئًا لمن كتب له الحج فيها، فليس للحج المبرور جزاءً إلا الجنة.

 

وقد كتب لي الله تعالى، الحج في كثير من الأعوام، منذ حججت للمرة الأولى قبل 25 عامًا، والحج هو من أعظم الرحلات، فعلى كثرة رحلاتي وأسفاري إلى دول كثيرة، إلا أنني لا أجد فيها من المتعة والسعادة مثل رحلة الحج، وعشت في الأراضي المقدسة أجمل أيام حياتي، وخرجت منها بأفضل صحبة.
وفي جميع رحلات الحج كنت حريصًا على توثيقها ليس اعتمادًا على ذاكرتي، ولكن من خلال تدوينها كتابة في "كراسة" كنت أحملها معي، لأسجل كل المشاعر التي أمر بها، وأعيش مع ما قابلته من مواقف ومشاهدات مليئة بأعظم الدروس والعبر. 

 

ومما استنتجته على المستوى الشخصي، ومن خلال القصص التي رواها لي أكثر من شخص قابلته في موسم الحج، هو أن الله تعالى يختار عباده للحج فيذلل لهم العقبات، بل إن قصتي الشخصية دليل على ذلك، فعندما بدأت الالتزام في أداء الصلاة كنت في سن 16عامًا، وكنت في هذه السن الصغيرة أتمنى الحج وأبكى شوقًا عندما أرى الحجيج على عرفات.

 

واستجاب الله لي بعد 14 سنة وتحديدًا في سنة 1995، ولذلك قصة، فقد كنت في العام السابق (1994)، في الجامع الأزهر، وكان الخطيب آنذاك، الشيخ إسماعيل صادق العدوي، من كبار علماء الأزهر، كان يقول للناس: هل تتوق أنفسكم للحج، هل تحدثون أنفسكم بأنكم تتمنون أن تكونوا بين الحجيج في العام القادم؟، وهو يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من العشر الأوائل من ذي الحجة قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد".

 

كان النبي يقول ذلك للصحابة وهو في المدينة، قبل أن يرزق الله الصحابة الحج العام التالي، وكأن الحديث موجه للمسلمين الذين لا يحجون، والنبي كان يصوم العشر الأوائل من ذي الحجة، ويصل رحمه، ويكثر العمل الصالح، ويتصدق ويذكر الله كثيرًا.

 

فقال الشيخ إسماعيل في خطبته: من يعبد الله ويكثر العبادة في هذه الأيام ويصدق مع الله، أتمنى على الله أن يرزقه الحج العام المقبل، وبالفعل فعلت هذا وأكثرت من العبادة والدعاء وذكر الله، وببركة العشر الأوائل ذهبت للحج العام المقبل، حيث اتصل بي صديق وقال لي: "أنت مش نفسك تحج قلت أتمنى، قال أنا سأستخرج لك الفيزا ومعك كم فلوس قلت معي كذا قال لي ستحج وربنا سيكرم وبالفعل حججت في ذاك العام".

فعلى المسلم أن يعبد الله ليس طمعًا في عطائه، ولكن حبًا في رضائه، وكما قيل: "اعبده ليرضى لا ليعطي، فإنه إن رضي أدهشك بعطائه"، إذ أن الحج دعوة بإذن الله، وليس بـ "الفيزا" والمال، فإذا اختارك الله لزيارة بيته فسوف تذلل لك الأمور كلها، وتقف ملبيًا بين الحجيج.

 

وهذا ما حدث مع حارس عقار كان وهو ساجدًا يدعو بتأثر بالغ: "يا رب أحج يا رب أحج"، ومن فرط صدق دعوته ارتفع صوته وهو يدعو في صلاة الجماعة، وبعدما فرغ من صلاته، وجد من يصلي بجواره يسأله: هل تريد الحج؟.. أنا سمعتك، وأنت تدعو بهذا، وأنا قنصل السعودية في مصر أنتظرك غدًا لتحصل على الفيزا وستحج، وهذا يؤكد أن الحج دعوة، فأخلص في دعوتك لله بالحج وسيرزقك الحج من حيث لا تحتسب.

 

والله تعالى يغدق على الحاج بكرمه وعطائه، عطاء يفوق قدرته على التخيل، فهناك مشاعر في الحج تتواتر بين عدد كبير من الحجيج وإذا تواترت المشاعر في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة فتصبح حينها قاعدة لان هذا المشاعر يقذفها الله في قلوب الحجيج.

 

هذا فلاح مصري بسيط خرج للحج وكنا في طريقنا إلى مكة، رأيته وتعرفت عليه وإذا به يبكي وعندما سألته لماذا تبكي؟، قال: "عشان كلام النبي، أصل أنا أعطوني كتابًا أقرأه فرأيت في الصفحة الأولى قول النبي "الحجاج والعمار وفد الله إذا سألوه أعطاهم وإذا دعوه أجابهم"، تخيل يا دكتور أنا وفد الله أنا سيستقبلني الله؟!، فقلت له أنت عارف الناس اللي بيستقبلوها في صالة كبار الزوار، قال هؤلاء الناس الأكابر، قلت له أنت ونحن الآن الأكابر حيث يستقبلنا الله ونحن وفده".

 

هذا الرجل أبكاني بهذا الشعور، وكنت أول مرة أفهم معنى حديث "الحجاج والعمار وفد الله"، حيث يقول تعالى، "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا"، نعم سيستقبلك الله بكل ود.

 

ذكرى أخرى قصها لي صديقي المهندس عبدالحميد، هو مهندس صوتيات، سألني: ما هو أكثر اسم من أسماء الله الحسنى يتجلى في الحج؟، قلت: لا أعلم، قال: اسم الله "الوهاب"، فهو الوهاب الذي يهب لك ويعطيك دون أن تستحق الذي إذا أعطاك أدهشك بعطائه الذي إذا فتح لك من خزائنه لا تعد ولا تحصى مالك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب.

 

فسألته: ما العبرة من تجلي اسم الله الوهاب في الحج؟، قال وأنا كنت أؤدي الحج قبل 15 سنة، قلت يا وهاب ليس لي من المال ما يجعلني آتي إليك مرة أخرى، لكني أحببت أن آتيك كل عام أتوسل إليك أن تمن على بالحج كل عام.. يا وهاب ارزقني الحج كل عام.

 

 سألته وماذا حدث بعد دعوتك تلك؟، قال: أنا لي 15 سنة حتى الآن وأحج كل عام فقلت وكيف حدث هذا؟، قال عندما عدت للقاهرة كانت هناك مسابقة، وتقدمت إليها وعينت مهندسًا للصوتيات بالحرم المكي، فأذهلني الله بعطائه، والعجيب أنني أحج كل عام ولا أدفع أي مال، بل بالعكس أحصل على المال المتمثل في راتبي.

 

وهذا شاب جزائري اسمه "سامي" رأيته ونحن في مطار جدة، والوفود كلها بالمطار، ونحن نقف لتفتيش الحقائب، وجدته يقول لصديقه: "تخيل لو أن هذه الشنط بها ذنوبنا كم كانت تزن؟!"، فأجابه صديقه: "لو هذه الشنط مليئة بالذنوب مكنوش دخلونا!"، فرد سامي قائلًا: "لكن الله أدخلنا رغم انه يعلم أن ذنوبنا أضعاف هذا الشنط ولكنه أدخلنا ليغفر لنا ويسامحنا". فتأثرت بهذا الإحساس العالي لهذا الشاب الجزائري وتعرفت إليه، فحقًا كم أنت كريم يا الله تهب وتغفر لنا كل الذنوب.

 

وعندما كنت داخل الحرم المكي أسأل نفسي: هل سيغفر الله لي؟ وكان بجواري رجل من كبار أهل مكة، فوجدته يقول: هل أنت تحج بمفردك؟، قلت نعم، قال: "لا أنت لست بمفردك أنت معك شخص آخر سيعود كيوم ولدته أمه"، حقًا رأيت كرم الله وعطاءه يستقبلك استقبال الوفود ويغمرك بعطائه.

اضافة تعليق