حتى لا يختلط عليك الأمر.. تعرف على الفرق بين "الشفاعة" و"المحسوبية"

الجمعة، 02 أغسطس 2019 01:25 م
الفرق بين الشفاعة والمحسوبية كالفرق بين الماء والنار


يخلط البعض بين الشفاعة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل دعم الفقير والجار وأهل الحقوق علينا، وبين الواسطة والمحسوبية، فيظلم هذا ويأخذ حق هذا، فتشيع في المجتمعات هضم حقوق الناس والبطالة و المحسوبيات بين الناس لقضاء مصالحهم وتحقيق مآربهم.

وقد تكون الوساطة أو الشفاعة حسنة للوصول إلى أغراض مشروعة أو ضرورية، وقد تكون سيئة أو ضارَّة لإلحاقها أذىً أو ضرراً بمصالح آخرين، ولمساسها بقوانين العدل والإنصاف والمساواة التي ينبغي أن يتعامل الناس بها سواء في نيل الوظائف أو في تحقيق الخدمات والظفر بها.

 وتختلف الشفاعة في الإسلام عن المحسوبية وظلم الناس، فلم يمنع الإسلام الوساطة أو الشفاعة في غير الحدود لأجل الخير، دون مساس بمصالح الآخرين، ولا تجوز الرشوة أو الهدية من أجل ذلك، لا قبل إنجاز المطلوب ولا بعده، لأن فعل الخير يجب أن يكون مجرداً عن المنافع والمآرب المادية، وأن يكون بقصد إرضاء الله تعالى، وتيسير الوصول إلى الحاجات المشروعة للإخوة.

وعبَّر القرآن الكريم في قول الله تعالى عن الشفاعة الحسنة وفرق بينها وبين المحسوبية بقوله: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ [النساء 4/85]. وهذه إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده.

 فالشفاعة هي طلب التجاوز عن الذنب، أما الوساطة: المسعى الحميد لتحقيق غرض لآخر. فإذا كانت الوساطة لخير، كانت مشروعة وتشملها الشفاعة الحسنة، وإذا كانت الوساطة لشر، كانت ممنوعة أو محظورة شرعاً، وتدخل تحت اسم: الشفاعة السيئة.

 وحض النبي صلى الله عليه وسلم على الشفاعة الحسنة، في الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة، أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب» وفي رواية: «ما شاء». أفاد هذا الحديث الترغيب في الشفاعة الحسنة لقضاء الحاجات، وأن فيها أجراً، سواء تحقق المراد أم لا . ولا شفاعة في الحدود (العقوبات المقدرة) كحد السرقة والحرابة والزنا والقذف وشرب الخمر إذا بلغ أمرها أو خبرها إلى القاضي، لأن القاضي ملزم بشرع الله ودينه.

 ومن نماذج الشفاعة الحسنة، شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في بَريرة مولاة عائشة أم المؤمنين مع زوجها مغيث الذي كان عبداً، أعتقتها عائشة، فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختارت نفسها، أي عدم البقاء مع زوجها في العبودية.


وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بَريرة وزوجِها، قال: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم:«لو راجعته؟ قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال:إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه». وهذا من بريرة استعمال شرعي لحقها في خيار فسخ الزواج، إذا تحررت أو أُعتقت، وبقي زوجها عبداً، وهذا مثل خيار البلوغ، إذا تزوجت البنت في حال الصغر، كان لها حق خيار فسخ الزواج بعد البلوغ، في رأي جمهور العلماء.

 والسبب في أن الشفاعة في حدٍّ من حدود الله تعالى لا تقبل: هو إحقاق الحق وإقامة العدل في أمر خطير عام، ولقمع الإجرام حتى لا تستشري الجريمة والفساد، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الإمام أحمد وغيره- «من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله تعالى فقد ضادَّ الله تعالى في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم كان في سَخَط الله تعالى حتى ينزع».

 واستثني القصاص (حكم الإعدام على القتل العمد) من الحدود، فالشفاعة في إسقاطه إلى الدية غير محرمة، لأن الشرع رغب فيه بالعفو والإسقاط، فقال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة 2/237].

 فالشفاعة الحسنة في غير حدود الله تعالى مظهر من مظاهر تعاون المجتمع الإسلامي وتكافله فيما يرضي الله تعالى، وهو دليل على أن حاجات الأفراد يمكن قضاؤها على يد بعض الناس، ويكون الله تعالى هو المقدِّر والمقتدر على إنجاز ما يشاء أو يريد، وتكون الوساطة أو الشفاعة من الأسباب المعتادة التي يباشرها الإنسان ويفوِّض تحقيق النتائج والغايات إلى الله تعالى، وهو حقيقة التوكل، فإنه من أصول الاعتقاد بعد تعاطي الأسباب، وإعمالِ الإنسان دوره وعقله وجهده في تحقيق المراد، فإن تحقق المراد، كان ذلك بفضل الله وإحسانه، وإن لم يتحقق، فيكون مراد الله تعالى في غير ذلك.

اضافة تعليق